وفي طبيعته وفي نفسيّته وفي عقله ، بل في شخصيّة كلّ فرد من أفراده ، وقد اجتمعت فيه نوازع الفساد من جهة وبواعث الخير والصلاح من جهة أخرى ، فمن جهة قد جبل على العواطف والغرائز من حبّ النفس والهوى والأثرة وإطاعة الشهوات ، وفطر على حبّ التغلّب والاستطالة والاستيلاء على ما سواه ، والتكالب على الحياة الدنيا . . .
ومن الجهة الثانية ، خلق اللّه تعالى فيه عقلا هاديا يرشده إلى الصلاح ومواطن الخير ، وضميرا وازعا يردعه عن المنكرات والظلم ويؤنّبه على فعل ما هو قبيح ومذموم .
ولا يزال الخصام الداخلي في النفس الإنسانيّة مستعرا بين العاطفة والعقل ، فمن يتغلّب عقله على عاطفته كان من الأعلين مقاما والراشدين في إنسانيّتهم والكاملين في روحانيّتهم ، ومن تقهره عاطفته كان من الأخسرين منزلة . . .
على أنّ الإنسان لقصوره وعدم اطّلاعه على جميع الحقائق وأسرار الأشياء المحيطة به والمنبثقة من نفسه ، لا يستطيع أن يعرف بنفسه كلّ ما يضرّه وينفعه ، ولا كلّ ما يسعده ويشقيه ، لا فيما يتعلّق بخاصّة نفسه ، ولا فيما يتعلّق بالنوع الإنسانيّ ومجتمعه ومحيطه . . .
وعلى هذا فالإنسان في أشدّ الحاجة ليبلغ درجات السعادة إلى من ينصب له الطريق اللاحب والنهج الواضح إلى الرشاد واتّباع الهدى ، لتقوّى بذلك جنود العقل . . . وأكثر ما تشتدّ حاجته إلى من يأخذ بيده إلى الخير والصلاح عندما تخادعه العاطفة وتراوغه - وكثيرا ما تفعل - فتزيّن له أعماله وتحسّن لنفسه انحرافاتها ، إذ تريه ما هو حسن قبيحا أو ما هو قبيح حسنا ، وتلبّس على العقل طريقه إلى الصلاح والسعادة والنعيم ، في وقت ليس له تلك المعرفة التي تميّز له كلّ ما هو حسن ونافع ، وكلّ ما هو قبيح وضارّ ، وكلّ واحد منّا صريع لهذه المعركة من حيث يدري ولا يدري إلّا من عصمه اللّه .
ينابيع الحكمة — صفحة 107
مساهمون: عباس الإسماعيلي اليزدي
ص١٠٧