تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ينابيع الحكمة — صفحة 143

مساهمون:

ص١٤٣

المراقبة والمشارطة

واعلم أنّ العقل بمنزلة تاجر في طريق الآخرة ، ورأس ماله العمر ، وقد استعان في تجارته هذه بالنفس ، فهي بمنزلة شريكه أو غلامه الذي يتّجر في ماله ، وربح هذه التجارة تحصيل الأخلاق الفاضلة ، والأعمال الصالحة ، الموصلة إلى نعيم الأبد ، وخسرانها المعاصي والسيّئات ، المؤدّية إلى العذاب المقيم في دركات الجحيم ، ونقول كما أنّ التاجر يشارط شريكه أوّلا ، ويراقبه ثانيا ، ويحاسبه ثالثا ، كذلك العقل يحتاج في مشاركة النفس إلى أن يرتكب هذه الأعمال ، ومجموع هذه الأعمال يسمّى " المحاسبة والمراقبة " تسمية الكلّ باسم بعض أجزائه وقد يسمّى " مرابطة " أيضا . فأوّل الأعمال في المرابطة « المشارطة » وهي أن يشارط النفس ، ويأخذ منها العهد والميثاق في كلّ يوم وليلة مرّة ألّا ترتكب المعاصي ، ولا يصدر منها شيء يوجب سخط اللّه ، ولا تقصّر في شيء من الطاعات الواجبة ، ولا تترك ما تيسّر لها من الخيرات والنوافل ، والأولى أن يكون ذلك بعد الفراغ عن فريضة الصبح . وثانيها : « المراقبة » وهو أن يراقب نفسه عند الخوض في الأعمال ، فيلاحظها بالعين الكالئة ، فإنّها إن تركت طغت وفسدت ، ثمّ يراقب اللّه في كلّ حركة وسكون ، بأن يعلم أنّ اللّه تعالى مطّلع على الضمائر ، عالم بالسرائر ، رقيب على أعمال العباد . وفي سفينة البحار ج 1 ص 533 : المراقبة مراعاة القلب للرقيب واشتغاله به ، والمثمر لها هو تذكّر أنّ اللّه تعالى مطّلع على كلّ نفس بما كسبت ، وأنّه سبحانه عالم بسرائر القلوب وخطراتها ، فإذا استقرّ هذا العلم في القلب جذبه إلى مراقبة اللّه سبحانه دائما ، وترك معاصيه خوفا وحياء ، والمواظبة على خدمته دائما انتهى . قال اللّه تعالى :
وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيباً
« 1 » وقال :
إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ
هامش
( 1 ) - الأحزاب : 52 .