ورغم ما يلاحظ ظاهريا من وجود التناقضات والتعارضات في عالم الوجود ، ولكن لا وجود فيه للكذب والخيانة أساسا . فلا بد من البحث عن الحقائق الناصعة في الطبيعة والوجود ولا بد من سماعها من لسان الخلقة . أليست جميع القوانين العلمية والفلسفية تعبيرا نسبيا عن عالم الوجود والقوانين المهيمنة عليه ؟
ثم أليس طلاب الحقيقة - سواء نظروا إلى الكون من نافذة العرفان أو من منظار العلم والتجربة أو من زاوية الفلسفة والبرهان - يفكرون في أسرار الوجود ويستوحون منها ولا يتعاملون إلّا مع الوجود والقوانين المتحكمة فيه ؟
انّ اللّه تعالى قد أرشدنا إلى حقائق الكون من خلال آيات الآفاق والأنفس ، فقال :
سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ . . .
« 1 » .
وقال الإمام علي عليه السّلام :
« . . . انّ الدنيا دار صدق لمن صدّقها . . . » « 2 » .
وصفوة الكلام هي أنّ بناء الخلقة والطبيعة يقوم على الحقيقة ، غير انّ الانسان الظلوم الجهول هو الذي يعمل على مزج الحق بالباطل واعطاء صورة مقلوبة مشوهة ، أو كما قال علي عليه السّلام :
« ولكن يؤخذ من هذا ضغث ومن هذا ضغث فيمزجان . . . » « 3 » .
وينبري هؤلاء لمزج الحق بالباطل لأنّ الباطل المحض لا يمكن تقديمه للناس ، إذ انّ فطرتهم الباحثة عن الحقيقة سرعان ما ترفضه .
ويكفي في معرفة ما للصدق من الفضيلة والشرف انّ اللّه تعالى قد وصف ذاته المقدسة بالصدق وتحدث مع عباده بالصدق ، سواء كان ذلك بلغة التكوين أو بلغة
هامش
( 1 ) فصلت / 53 .
( 2 ) نهج البلاغة ، فيض الاسلام ، الحكمة 126 .
( 3 ) نهج البلاغة ، صبحي الصالح ، خ 50 .