إعلم أنّ الرضا ثمرة المحبّة للّه ، من أحبّ شيئا أحبّ فعله والمحبّة ثمرة المعرفة ، فإنّ من أحبّ شخصا إنسانيا لاشتماله على بعض صفات الكمال أو نعوت الجمال ، يزداد حبّه له كلّما زاد به معرفة وله تصورا .
فمن نظر بعين بصيرته إلى جلال اللّه تعالى وكماله - الّذي يطول شرح تفصيل بعضه ، ويخرج عن مقصود الرسالة - أحبّه ، والّذين آمنوا أشدّ حبّا للّه ، ومتى أحبّه استحسن كلّ أثر صادر عنه ، وهو يقتضي الرضا .
فالرضا ثمرة من ثمرات المحبّة ، بل كلّ كمال فهو ثمرتها ، فإنّها لما كانت فرع المعرفة استلزم تصوّر رحمته رجاؤه ، وتصوّر هيبته الخشية له ، ومع عدم الوصول إلى المطلوب الشوق ، ومع الوصول الانس ، ومع إفراط الانس الانبساط ، ومع مطالعة عنايته التوكّل ، ومع استحسان ما يصدر عنه الرضا ، ومع تصوّر قصور نفسه في جنب كماله وكمال إحاطة محبوبه به وقدرته عليه التسليم إليه ، ويتشعّب من التسليم مقامات عظيمة ، يعرفها من عرفها ، وينتهي الأمر به إلى غاية كلّ كمال .
واعلم أنّ الرضا فضيلة عظيمة للإنسان ، بل جماع أمر الفضائل يرجع إليها ، وقد نبّه اللّه تعالى على فضله ، وجعله مقرونا برضا اللّه تعالى وعلامة له ، فقال :
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ *
وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ
« 1 » وهو نهاية الإحسان ، وغاية الامتنان .
وجعله النبيّ صلّى اللّه عليه وآله دليلا على الإيمان ، حين سأل طائفة من أصحابه : « ما أنتم ؟ » قالوا : مؤمنون ، فقال : « ما علامة إيمانكم ؟ » قالوا : نصبر على البلاء ، ونشكر عند الرخاء ، ونرضى بمواقع القضاء ، فقال : « مؤمنون وربّ الكعبة » .
هامش
( 1 ) التوبة : 72 .