والناظر لهذا الجمال الخسيس هو العين الخسيسة ، الّتي تغلط في ما ترى كثيرا ، فترى الصغير كبيرا ، والكبير صغيرا ، والبعيد قريبا ، والقبيح جميلا .
فإذا تصوّر الإنسان استيلاء هذا الحبّ ، فمن أين يستحيل ذلك في حبّ الجمال الأزليّ الأبديّ ، الّذي لا ينتهي كماله المدرك بعين البصيرة ، الّتي لا يعتريها الغلط ، ولا يزيلها الموت ، بل يبقى بعد الموت حيّا عند اللّه ، فرحا مسرورا برزق اللّه ، مستفيدا بالموت مزيد تنبّه واستكشاف ، وهذا أمر واضح من حيث الاعتبار ، وتشهد له جملة من الآثار ، وردت من أحوال المحبّين وأقوالهم ، يأتي بعضها إن شاء اللّه تعالى ، وهذه مرتبة المقرّبين .
الدرجة الثالثة : أن يبطل إحساسه بالألم ، حتّى يجري عليه المؤلم ولا يحسّ ، وتصيبه جراحة ولا يدرك ألمه .
ومثاله الرجل المحارب ، فإنّه في حال غضبه أو حال خوفه قد تصيبه جراحة وهو لا يحسّ بها ، حتّى إذا رأى الدم استدلّ به على الجراحة ، بل الّذي يعدو في شغل مريب قد تصيبه شوكة في قدمه ، ولا يحسّ بألمه لشغل قلبه ، بل الّذي يحجم ، أو يحلق رأسه بحديدة كالّة يتألّم بها ، فإن كان قلبه مشغولا بمهمّ من مهمّاته ، يفرغ الحجّام أو الحالق ، وهو لا يشعر به .
وكلّ ذلك لأنّ القلب إذا صار مستغرقا بأمر من الأمور لم يدرك ما عداه .
ونظائر ذلك في هموم أهل الدنيا ، واشتغالهم بها ، وإكبابهم عليها ، حتّى لا يتألّمون ، ولا يحسّون بالجوع والعطش والتعب - لذلك - كثير مشاهد عيانا ، فكذلك العاشق المستغرق الهمّ بمشاهدة محبوبه ، قد يصيبه ما كان يتألّم به ، أو يغتمّ لولا عشقه ، ثمّ لا يدرك غمّه وألمه ، لفرط استيلاء الحبّ على قلبه ، هذا إذا أصابه من غير حبيبه ، فكيف إذا أصابه من حبيبه ؟ !
وشغل القلب بالحبّ والعشق من أعظم الشواغل وإذا تصوّر هذا في ألم يسير
معجم المحاسن والمساوئ — صفحة 493
مساهمون: الشيخ أبو طالب التجليل التبريزي
ص٤٩٣