نشكو إليك ظهور البغي والفساد في الأرض ، وما يحول بين الحقّ وأهله من الظلم ، قال : فملأ المنصور مسامعه منه ثمّ استدعاه فقال له : ما الّذي سمعته منك ؟ قال : إن أمنتني على نفسي نبّأتك بالأمور من أصلها ، قال : أنت آمن على نفسك ، قال : أنت الّذي دخله الطمع حتّى حال بينه وبين الحقّ ، وحصول ما في الأرض من البغي والفساد ، فإنّ اللّه سبحانه وتعالى استرعاك أمور المسلمين فأغفلتها ، وجعلت بينك وبينهم حجابا وحصونا من الجصّ والآجر وأبوابا من الحديد ، وحجبة معهم السلاح ، واتّخذت وزراء ظلمة ، وأعوانا فجرة ، إن أحسنت لا يعينوك ، وإن أسأت لا يردّوك ، وقوّمتهم على ظلم الناس ولم تأمرهم بإعانة المظلوم والجائع والعاري ، فصاروا شركاءك في سلطانك ، وصانعتهم العمّال بالهدايا خوفا منهم ، فقالوا : هذا قد خان اللّه فمالنا لانخونه فاختزنوا الأموال ، وحالوا دون المتظلّم دونك ، فامتلأت بلاد اللّه فسادا وبغيا وظلما ، فما بقاء الإسلام وأهله على هذا ؟
وقد كنت أسافر إلى بلاد الصين وبها ملك قد ذهب سمعه ، فجعل يبكي ، فقال له وزراؤه : ما يبكيك ؟ فقال : لست أبكي على ما نزل من ذهاب سمعي ولكنّ المظلوم يصرخ بالباب ولا أسمع نداءه ، ولكن إن كان سمعي قد ذهب فبصري باق ، فنادى في الناس : لا يلبس ثوبا أحمر إلّا مظلوم ، فكان يركب الفيل في كلّ طرف نهار هل يرى مظلوما فلا يجده .
هذا وهو مشرك باللّه وقد غلبت رأفته بالمشركين على شحّ نفسه وأنت مؤمن باللّه ، وابن عمّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ولا تغلبك رأفتك بالمسلمين على شحّ نفسك فإنّك لا تجمع المال إلّا لواحدة من ثلاث إن قلت : إنّك تجمع لولدك ، فقد أراك اللّه تعالى الطفل الصغير يخرج من بطن امّه لا مال له ، فيعطيه . فلست بالّذي تعطيه بل اللّه سبحانه هو الّذي يعطي ، وإن قلت : أجمعها لتشييد سلطاني فقد أراك اللّه القدير عبرا في الّذين تقدّموا ، ما أغنى عنهم ما جمعوا من الأموال ولا ما أعدّوا من السلاح ، وإن
معجم المحاسن والمساوئ — صفحة 523
مساهمون: الشيخ أبو طالب التجليل التبريزي
ص٥٢٣