على أنّ الّذين عاشروه قد شاهدوا في كلامه وجميع حركاته وأفعاله ما ملأ قلوبهم يقينا بأنّه صادق يخبر عن ربّه بوحيه ، ومن ذلك أنّ بعض الأعراب أسلم حين رآه وقال : واللّه ما هذا الوجه بوجه كذّاب . ألم تر إلى ما قاله هرقل لأبي سفيان وصحبه وكان كافرا إذ ذاك : هل كنتم تتّهمون محمّدا بالكذب قبل أن يقول ما قال ؟
فقالوا : لا ، ما جرّبنا عليه كذبا . فقال لهم هرقل : إنّه لم يكن ليدّع الكذب على الناس ثمّ يكذب على اللّه « 1 » .
وقد وضح لمن عاشروه ولمن بلغتهم دعوته أنّه أنصح الخلق للخلق ، وأبرّ الناس بالناس ، وأرحم البشر للبشر ، وأصدقهم فيما يقول . وأقومهم فيما يفعل .
ولهذا لمّا كانت خديجة تعلم من النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم إنّه الصادق البارّ قالت له - حين جاءه الوحي وقال لها إنّي خشيت على نفسي - : واللّه لا يخزيك اللّه ابدا إنّك لتصل الرحم وتصدق الحديث وتحمّل الكلّ وتقري الضيف وتكسب المعدم وتعين على نوائب الحقّ .
ومن تأمّل ما جاء به محمّد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وضح له أنّ مثل هذا لا يصدر إلّا من أعلم الناس وأصدقهم وأبرّهم ، أنّه يستحيل صدوره عن متعمّد الكذب مفتر على اللّه « 2 » .
هامش
( 1 ) قال في « محمد المثل الكامل » بعد ذلك :
هل يستطيع الكاذب أن يخفى حاله طيلة حياته على الناس عامّتهم وخاصّتهم ؟ كلّا فإنّ الرياء طلاء كاذب لا يلبث أن تقضي عليه حوادث الأيّام ، وبخاصّة إذا كان لصاحبه أعداء يحصون هفواته وسقطاته لا يستطيع كاذب أن يخاطب اليهود - والتوراة بين أيديهم - يقوله على لسان القرآن « يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل » ثمّ يوبّخهم ويقرعهم بانّهم يجدونه فيها ، وإنّهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ، وليس من المتصوّر أن يجتري على ذلك وهو يعلم كذب نفسه ، والكاذب ضعيف حتّى عند نفسه بلى أنّ الصدق يصاحب الخير والبرّ والكذب يساير الفجور والشرّ .
( 2 ) وقد شهد بذلك غير المسلمين ، ففي كتاب « محمد از نظر ديگران » ص 9 - 81 .
ماكس فنى خاورشناس ومحقق معروف گويد : محمّد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم درستكارترين وعالىترين