العرب ، ولكنه لم ييأس من التحريش بينهم » « 1 » .
ذلك أن الشر إذا تمكن من الأفئدة فتنافر ودّها ، وانكسرت زجاجتها ، ارتد الناس إلى حال من القسوة والعناد ، يقطعون فيها ما أمر اللّه به أن يوصل ويفسدون في الأرض .
* * * وقد تيقظ الإسلام لبوادر الجفاء ، فلاحقها بالعلاج ، قبل أن تستفحل وتستحيل إلى عداوة فاجرة ، والمعروف أن البشر متفاوتون في أمزجتهم وأفهامهم ، وأن التقاءهم في ميادين الحياة قد يتولد عنه ضيق وانحراف إن لم يكن صدام وتباعد . ولذلك شرع الإسلام من المبادئ ما يرد عن المسلمين عوادي الانقسام والفتنة ، وما يمسك قلوبهم على مشاعر الولاء والمودة ، فنهى عن التقاطع والتدابر .
نعم قد يحدث أن تشعر بإساءة موجهة إليك ، فتحزن لها وتضيق بها ، وتعزم على قطع صاحبها .
ولكن اللّه لا يرضى أن تنتهي الصلة بين مسلم ومسلم إلى هذا المصير .
قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا تقاطعوا ولا تدابروا ، ولا تباغضوا ولا تحاسدوا ، وكونوا عباد اللّه إخوانا ، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث » « 2 » .
وفي رواية : « لا يحق لمؤمن أن يهجر مؤمنا فوق ثلاث . فإن مرت به ثلاث فليلقه فليسلم عليه . فإن رد عليه السّلام فقد اشتركا في الأجر . وإن لم يرد عليه فقد باء بالإثم ، وخرج المسلّم من الهجرة » « 3 » وهذا التوقيت فترة تهدأ فيها الحدّة وينفثىء « 4 » الغضب . ثم يكون لزاما على المسلم بعده أن يواصل إخوانه ، وأن يعود معهم سيرته الأولى . كأن القطيعة غيمة ، ما إن تجمعت حتى هبّت عليها الريح فبددتها ، وصفا الأفق بعد عبوس .
والإنسان في كل نزاع ينشب ، أحد رجلين : إما أن يكون ظالما ، وإما أن
هامش
( 1 ) مسلم .
( 2 ) البخاري .
( 3 ) أبو داود .
( 4 ) ينفثىء : من قولهم فثأ الغضب سكن .