ومن ثمّ كانت الجماعة المسلمة حقا ، هي التي تقوم على عواطف الحب المشترك ، والود الشائع ، والتعاون المتبادل ، والمجاملة الرقيقة ، لامكان فيها للفردية المتسلطة الكنود ؛ بل هي كما وصف القرآن :
وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ : رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ ، وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا ، رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ
« 1 » .
* * * إن الخصومة إذا نمت وغارت جذورها ، وتفرعت أشواكها ، شلّت زهرات الإيمان الغض ، وأذوات ما يوحي به من حنان وسلام .
وعندئذ لا يكون في أداء العبادات المفروضة خير ، ولا تستفيد النفس منها عصمة .
وكثيرا ما تطيش الخصومة بألباب ذويها ، فتتدلى بهم إلى اقتراف الصغائر المسقطة للمروءة ، والكبائر الموجبة للّعنة ، وعين السخط تنظر من زاوية داكنة ، فهي تعمى عن الفضائل ، وتضخّم الرذائل ، وقد يذهب بها الحقد إلى التخيل وافتراض الأكاذيب ؛ وذلك كله مما يسخطه الإسلام ويحاذر وقوعه ويرى منعه أفضل القربات .
قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة ؟ قالوا : بلى ! قال : إصلاح ذات البين ، فإن فساد ذات البين هو الحالقة ؛ لا أقول تحلق الشعر ، ولكن تحلق الدين ! » « 2 » .
ربما عجز الشيطان أن يجعل من الرجل العاقل عابد صنم ، ولكنه - وهو الحريص على إغواء الإنسان وإيراده المهالك - لن يعجز عن المباعدة بينه وبين ربه ، حتى يجهل حقوقه أشد مما يجهلها الوثني المخرّف ، وهو يحتال لذلك بإيقاد نيران العداوة في القلوب ، فإذا اشتعلت استمتع الشيطان برؤيتها وهي تحرق حاضر الناس ومستقبلهم ، وتلتهم علائقهم وفضائلهم :
قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون في جزيرة
هامش
( 1 ) الحشر : 10 .
( 2 ) الترمذي .