ويتحرجون مع صنوف الخلق ، أن يكونوا سفهاء أو متطاولين .
روى مالك أنه بلغه عن يحيى بن سعيد : أن عيسى عليه السّلام مر بخنزير على الطريق ، فقال له : انفذ بسلام ! فقيل له : تقول هذا لخنزير ؟
فقال : إني أخاف أن أعود لساني النطق بالسوء ! .
* * * ومن الناس من يعيش صفيق الوجه ، شرس الطبع ، لا يحجزه عن المباذل يقين ، ولا تلزمه المكارم مروءة ، ولا يبالي أن يتعرض للآخرين بما يكرهون ؛ فإذا وجد مجالا يشبع فيه طبيعته النزقة الجهول ، انطلق على وجهه لا ينتهي له صياح ، ولا تنحبس له شرّة .
والرجل النبيل لا ينبغي أن يشتبك في حديث مع هؤلاء ، فإن استثارة نزقهم فساد كبير ، وسد ذريعته واجب ، ومن ثمّ شرع الإسلام مداراة السفهاء .
حدث أن وقف رجل من أولئك الجهّال أمام بيت الرسول يريد الدخول ، فرأى النبي أن يحاسنه حتى يصرفه ، ولم يكن من ذلك بد - فالحلم فدام « 1 » السفيه - ولو تركه يسكب ما في طبيعته الفظة لسمع ما تتنزه عنه أذناه ! ! .
وعن عائشة قالت : استأذن رجل على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : « بئس أخو العشيرة هو » فلما دخل انبسط إليه وألان له القول ، فلما خرج قلت : يا رسول اللّه ، حين سمعت الرجل قلت : كذا وكذا ، ثم تطلّقت في وجهه وانبسطت إليه ! ! فقال : « يا عائشة متى عهدتني فاحشا ؟ إن من شر الناس عند اللّه تعالى منزلة يوم القيامة ، من تركه الناس اتقاء فحشه » « 2 » .
وهذا مسلك تصدقه التجارب ، فإن الرجل لا يسوغ أن يفقد خلقه مع من لا خلق لهم . ولو أنه شغل بتأديب كل جهول يلقاه لأعيته الحيل من كثرة ما
هامش
( 1 ) الفدام : ما يشد على الفم .
( 2 ) البخاري .