لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً . إِنْ تُبْدُوا خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيراً
« 1 » .
* * * ومن الضمانات التي اتخذها الإسلام لصيانة الكلام عن النزق والهوى تحريمه الجدل ، وسده لأبوابه ، حقا كان أو باطلا .
ذلك أن هناك أحوالا تستبد بالنفس ، وتغري بالمغالبة ، وتجعل المرء يناوش غيره بالحديث ، ويصيد الشبهات التي تدعم جانبه ، والعبارات التي تروج حجته . فيكون حب الانتصار عنده أهم من إظهار الحق ، وتبرز طبائع العناد والأثرة في صور منكرة ، لا يبقى معها مكان لتبيين أو طمأنينة ! ! .
والإسلام ينفر من هذه الأحوال ويعدها خطرا على الدين والفضيلة .
قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « من ترك المراء وهو مبطل بني له بيت في ربض الجنة . ومن تركها وهو محق بني له في وسطها ، ومن حسن خلقه بني له في أعلاها » « 2 » .
وهناك أناس أوتوا بسطة في ألسنتهم ، تغريهم بالاشتباك مع العالم والجاهل ، وتجعل الكلام لديهم شهوة غالبة ، فهم لا يملونه أبدا .
وهذا الصنف ، إذا سلط ذلاقته على شؤون الناس أساء ، وإذا سلطها على حقائق الدين شوه جمالها وأضاع هيبتها .
وقد سخط الإسلام أشد السخط على هذا الفريق الثرثار المتقعر .
قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن أبغض الرجال إلى اللّه الألد الخصم » « 3 » وقال : « ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل » « 4 » .
هذا الصنف لا يقف ببسطة لسانه عند حدّ ، إنه يريد الكلام فحسب ، يريد أن يباهي به ويستطيل ، إن الألفاظ تأتي في المرتبة الأولى ، والمعاني في المرتبة
هامش
( 1 ) النساء : 148 ، 149 .
( 2 ) أبو داود .
( 3 ) البخاري .
( 4 ) الترمذي .