الجهاد إلى مراتب المجاهدين ، لأن بعد همتهم أرجح لديه من عجز وسائلهم ! !
حدث في غزوة العسرة ، أن تقدم إلى رسول اللّه رجال يريدون أن يقاتلوا الكفار معه ، وأن يجودوا بأنفسهم في سبيل اللّه ، غير أن الرسول لم يستطع تجنيدهم ، فعادوا وفي حلوقهم غصة ، لتخلفهم عن الميدان وفيهم نزل قوله عز وجل :
وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلَّا يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ
« 1 » .
أترى أن اللّه يهدر هذا اليقين الرّاسخ ، وهذه الرغبة العميقة في التضحية ؟ كلا ! ولذلك نوّه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بإيمان أولئك القوم وإخلاصهم .
فقال للجيش السائر : « إن أقواما خلفنا بالمدينة ، ما سلكنا شعبا ولا واديا إلا وهم معنا . حبسهم العذر ! ! » « 2 » .
إن النية الصادقة سجلت لهم ثواب المجاهدين ، لأنهم قعدوا راغمين .
ولئن كانت النية الصالحة تضفي على صاحبها هذا القبول الواسع ، إن النية المدخولة تنضم إلى العمل الصالح - في صورته - فيستحيل بها إلى معصية تستجلب الويل :
فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ . الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ . الَّذِينَ هُمْ يُراؤُنَ . وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ
« 3 » .
إن الصلاة مع الرياء ، أمست جريمة ، وبعد ما فقدت روح الإخلاص باتت صورة ميتة لا خير فيها ، وكذلك الزكاة ، إنها إن صدرت عن قلب يسخو للّه ويدخر عنده قبلت ، وإلا فهي عمل باطل :
لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ، فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ ، فَأَصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً ، لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا
« 4 » .
هامش
( 1 ) التوبة : 92 .
( 2 ) البخاري .
( 3 ) الماعون : 4 - 7 .
( 4 ) البقرة : 264 .