وكلا المسلكين كرم دفع إليه شعور المرء بنفسه ، سلبا أو إيجابا كما يعبر علماء النفس . ولكن الإسلام لا يعتد بالصّدقة إلا إذا خلصت من شوائب النفس . وتمخضت للّه وحده على ما وصف القرآن الكريم :
إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً
« 1 » .
الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى . وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى ، إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى . وَلَسَوْفَ يَرْضى
« 2 » .
ولتصحيح اتجاهات القلب ، وضمان تجرده من الأهواء الصغيرة ، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إنما الأعمال بالنيات ، وإنما لكل امرئ ما نوى . فمن كانت هجرته إلى اللّه ورسوله فهجرته إلى اللّه ورسوله ، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه » « 3 » .
إن ألوف المسافرين يقطعون المسافة بين مكة والمدينة ، لأغراض شتى ولكن نية الانتصار للدين والحياة به ، هي التي تفرق بين المهاجر والمسافر ! وإن كانت صورة العملين واحدة .
فمن ترك مكة إلى المدينة ، فرارا بدينه من الفتن ، وإقامة لصرح الدولة الجديدة في بلدها الجديد ، فهو المهاجر ، وأما من رحل لشؤون أخرى فليس من الهجرة في شيء .
* * * إن صلاح النية وإخلاص الفؤاد لرب العالمين ، يرتفعان بمنزلة العمل الدنيوي البحت ، فيجعلانه عبادة متقبلة .
وإن خبث الطوية ، يهبط بالطاعات المحضة ، فيقلبها معاصي شائنة فلا ينال المرء منها ، بعد التعب في أدائها ، إلا الفشل والخسار .
قد يبني الإنسان قصرا منيف الشرفات ، فسيح الردهات ، وقد يغرس حديقة ملتفة الأغصان متهدلة الأثمار ، وهو بين قصره المشيد ، وبستانه
هامش
( 1 ) الإنسان : 9 .
( 2 ) الليل : 18 - 21 .
( 3 ) البخاري ومسلم .