والحق أن الرسالات الكبرى أحوج ما تكون إلى رجال على غرار الأنصار ، يفتدون كلمتهم بأرواحهم وما يملكون ، لا يشغلهم مأرب تافه ، ولا تتبع أنفسهم عرضا زائلا .
ومسلك الرسول - معهم في توزيع الغنائم - قام على تقدير إيمانهم وإخلاصهم . فقد تألف الأعراب بالمال الذي يشتهون ، حتى لا يضجروا من تكاليف الدين الذي اعتنقوه ، ووكل الأنصار إلى ما يعرف فيهم من يقين راسخ .
وقد قال في مثل هذه الحالات : « إني لأعطي الرجل وغيره أحبّ إلي مخافة أن يكبّه اللّه في النار » « 1 » .
* * * ومن الوفاء المحمود أن يذكر الرجل ماضيه الذاهب لينتفع به في حاضره ومستقبله ، فإن كان معسرا فأغناه اللّه ، أو مريضا فشفاه اللّه ، فليس يسوغ له أن يفصل بين أمسه ويومه بسور غليظ ، ثم يزعم أنه ما كان قط فقيرا ولا مريضا . ويبني على غروره بحاضره مسلكا ؛ كله فظاظة وجحود .
هذا نوع من الغدر ينتهي بصاحبه إلى النفاق ؛ ربما انطرد به من رحمة اللّه فلم تتسع بعدئذ له .
رووا أن رجلا من أهل المدينة يدعى ثعلبة أتى مجلسا من مجالس الأنصار فأشهدهم : لئن آتاني اللّه من فضله آتيت منه كلّ ذي حق حقه ، وتصدّقت منه ووصلت القرابة . فمات ابن عم له ، فورث منه مالا ، فلم يف بشيء مما عاهد عليه ، فنزل قول اللّه :
وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ . فَلَمَّا آتاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ ، بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ . فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِما أَخْلَفُوا اللَّهَ ما وَعَدُوهُ وَبِما كانُوا يَكْذِبُونَ . أَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ
« 2 » .
ومن القصص الدالة على شؤم الغدر وعقوق النعمة ، ما رواه أبو هريرة عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال :
هامش
( 1 ) البخاري .
( 2 ) التوبة : 75 - 78 .