كانوا بعض الأمة التي استفزته من الأرض ، واضطرته إلى ترك وطنه في سبيل عقيدته ، لكن الشريف لا يتّضع مع الصغار .
قال ميمون بن مهران : ( ثلاثة يؤدين إلى البر والفاجر : الأمانة ، والعهد ، وصلة الرحم ) .
واعتبار الوديعة غنيمة باردة ، هو ضرب من السرقة الفاجرة .
عن عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه قال : « القتل في سبيل اللّه يكفر الذنوب كلها إلا الأمانة . . قال : يؤتى بالعبد يوم القيامة - وإن قتل في سبيل اللّه - فيقال : أدّ أمانتك ! فيقول : أي ربّ ، كيف وقد ذهبت الدنيا ؟ فيقال :
انطلقوا به إلى الهاوية ، وتمثّل له أمانته كهيئتها يوم دفعت إليه ، فيراها فيعرفها ، فيهوى في أثرها حتى يدركها ، فيحملها على منكبيه ، حتى إذا ظن أنه خارج زلت عن منكبيه ، فهو يهوى في أثرها أبد الآبدين ، ثم قال : الصلاة أمانة ، والوضوء أمانة ، والوزن أمانة ، والكيل أمانة ، وأشياء عدّدها ، وأشد ذلك الودائع » « 1 » .
قال راوي الحديث : فأتيت البراء بن عازب ، فقلت : ألا ترى إلى ما قال ابن مسعود ؟ قال : كذا ! . قال - البراء - : صدق ، أما سمعت اللّه يقول :
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها ، وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ؟
« 2 » .
* * * والأمانة التي تدعو إلى رعاية الحقوق ، وتعصم عن الدنايا ، لا تكون بهذه المثابة إلا إذا استقرت في وجدان المرء ، ورست في أعماقه ، وهيمنت على الداني والقاصي من مشاعره ! .
وذاك معنى حديث حذيفة بن اليمان عن رسول اللّه : « إن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال ، ثم نزل القرآن ، فعلموا من القرآن وعلموا من السنة » « 3 » .
هامش
( 1 ) أحمد .
( 2 ) النساء : 58 .
( 3 ) مسلم .