وعن أنس قال : « ما خطبنا رسول اللّه إلا قال : لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له » « 1 » .
ولما كانت السعادة القصوى أن يوقى الإنسان شقاء العيش في الدنيا وسوء المنقلب في الأخرى ، فإن رسول اللّه جمع في استعاذته بين الحالين معا إذ قال : « اللهم إني أعوذ بك من الجوع فإنه بئس الضجيع ، وأعوذ بك من الخيانة فإنها بئست البطانة » « 2 » . فالجوع ضياع الدنيا والخيانة ضياع الدين .
وكان رسول اللّه في حياته الأولى قبل البعثة يلقّب بين قومه بالأمين .
وكذلك شوهدت مخايل الأمانة على موسى حين سقى لابنتي الرجل الصالح ورفق بهما ، واحترم أنوثتهما ، وكان معهما عفيفا شريفا :
فَسَقى لَهُما ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقالَ : رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ . فَجاءَتْهُ إِحْداهُما تَمْشِي عَلَى اسْتِحْياءٍ قالَتْ : إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا ، فَلَمَّا جاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قالَ : لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ . قالَتْ إِحْداهُما : يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ
« 3 » . وقد حدث هذا قبل أن ينبأ موسى ويرسل إلى فرعون .
ولا غرو فرسل اللّه يختارون من أشرف الناس طباعا ، وأزكاهم معادنا ، والنفس التي تظل معتصمة بالفضيلة - على شدة الفقر ووحشة الغربة - هي لرجل قوي أمين ! والمحافظة على حقوق اللّه وحقوق العباد ، تتطلب خلقا لا يتغير باختلاف الأيام بين نعمى وبؤسى ، وذلك جوهر الأمانة .
* * * من معاني الأمانة وضع كل شيء في المكان الجدير به ، واللائق له ، فلا يسند منصب إلا لصاحبه الحقيق به ، ولا تملأ وظيفة إلا بالرجل الذي ترفعه كفايته إليها .
واعتبار الولايات والأعمال العامة أمانات مسؤولة ثابت من وجوه كثيرة :
هامش
( 1 ) أحمد .
( 2 ) أبو داود .
( 3 ) القصص : 24 - 26 .