وليكبر دينه فلا يذل به . وليملك نفسه فلا يعطي فرصة لأحمق كيما يستعلي ويستكبر ، فإن قرارا ما لن يتمّ إلا إذا أمضاه اللّه .
وقال تعالى :
ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
« 1 » .
ومظهر السلطة الذي يمنحه اللّه طائفة من العباد لا يغير قيد شعرة من إرادة القاهر فوق العباد . إننا في أحيان كثيرة نحس أننا مغلوبون على أمرنا .
لكن هذا الإحساس منتف في حق اللّه الذي لا يمكن أن يعجزه شيء :
وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ ، وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ
« 2 » .
فالأدنى إلى الحق ، والأقرب إلى النفع ، والأرشد في علاج المشاكل أن يظل المسلم منتصب القامة مرتفع الهامة ، لا تدنيه حاجة ولا تطويه شدة ، يجأر إلى مولاه بالدعاء ويكشف انكساره لربه وحده ، فلا يبدي صفحته لمخلوق ، فاقها قول اللّه له :
وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ ، وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ ، يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ ، وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ
« 3 » .
وقد علمت كيف علّم الرسول أصحابه الاستغناء والاكتفاء ، وفطم النفوس عن أن تسأل الناس شيئا حتى التافه الذي لا يضير « فكان أحدهم ينزل عن ناقته ليلتقط سوطه ، ويرفض أن يكلف أحدا مناولته إياه » .
* * * إن الناس يذلون أنفسهم ، يقبلون الدنية في دينهم ودنياهم ، لواحد من أمرين : إما أن يصابوا في أرزاقهم ، أو في آجالهم . والغريب أن اللّه قطع سلطان البشر على الآجال والأرزاق جميعا ، فليس لأحد إليهما من سبيل .
فالناس في الحقيقة يستذلهم وهم نشأ من أنفس مريضة بالحرص على الحياة والخوف على القوت . والناس من خوف الذل في ذل ، ومن خوف الفقر في فقر .
مع أن الإسلام بنى حقيقة التوحيد على الصلة باللّه تبارك وتعالى فيما ينوب ويروع ، واليأس من الناس فيما لا يملكون فيه على اللّه بتا ، ولا يقدمون نفعا ولا ضرا .
هامش
( 1 ) فاطر : 2 .
( 2 ) يوسف : 21 .
( 3 ) يونس : 107 .