ما كَسَبُوا ، وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ
« 1 » .
فالإسلام عندما أوصى المسلم بالعزة هداه إلى أسبابها ، ويسر له وسائلها ، وأفهمه أن الكرامة في التقوى ، وأن السمو في العبادة ، وأن العزة في طاعة اللّه . والمؤمن الذي يعلم ذلك ويعمل به يجب أن يأخذ نصيبه كاملا غير منقوص في الحياة الرفيعة المجيدة . فإذا اعتدى عليه أحد أو طمع فيه باغ كان انتصابه للدفاع عن نفسه جهادا في سبيل اللّه ، وليس ذيادا عن الحق الشخصي فقط ، بل إقرارا للحقوق العامة والمثل العالية .
ومن ثمّ فإن موت المسلم دون حقه شهادة :
جاء رجل إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : يا رسول اللّه ، أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي « 2 » ؟ قال : لا تعطه مالك ! قال : أرأيت إن قاتلني ؟ قال : قاتله ! قال : أرأيت إن قتلني ؟ قال : فأنت شهيد ! قال : أرأيت إن قتلته ؟ قال : هو في النار « 3 » .
نعم . فمن عزة المؤمن ألا يكون مستباحا لكل طامع ، أو غرضا لكل هاجم بل عليه أن يستميت دون نفسه وعرضه ، وماله وأهله . وإن أريقت في ذلك دماء ، فإن هذا رخيص لصيانة الشرف الرفيع .
وإنما شرع اللّه الثأر من الظالم ، إعزازا لجانب المهضوم وإيهانا لجانب العادي فعلق المسلم بحقوقه وملأ بها يديه ، وأغراه أن يتشبث بها فلا ينزل عنها إلا عفوا كريما ، أو سماحة تزيده عزا على عز .
وقد لقنه أولا دروس الإيمان وشرائع الكمال ، ووقفه على نهج الفضل والرفعة بقوله :
وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ، وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ وَإِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ ، وَالَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ
« 4 » .
هامش
( 1 ) آل عمران : 155 .
( 2 ) أي اغتصابه .
( 3 ) مسلم .
( 4 ) الشورى : 36 - 38 .