إن الإسلام حريص على سلامة أمته وحفظ كيانها ، وهو لذلك يطفئ بقوة بوادر الخلاف ، ويهيب بالأفراد كافة أن يتكاتفوا على إخراج الأمة من ورطات الشقاق ومصايره السود . « يد اللّه على الجماعة ومن شذّ شذّ في النار » .
وأعداء الإسلام يودون أن يضعوا أيديهم على شخص واحد ليكون طرفا ناتئا يستمكنون منه ويجذبون الأمة كلها عن طريقه ! فلا جرم أنه يستأصل هذا النتوء لينجي الجماعة كلها من أخطار بقائه ، ولذلك يقول رسول اللّه : « ستكون هنات وهنات ، فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع ، فاضربوه بالسيف كائنا من كان » « 1 » .
والخروج على إجماع الأمة - وهذا عقابه في الدنيا - يدخل بعدئذ في حدود قوله تعالى :
وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً
« 2 » .
ولا يستغربنّ أحد هذا الوعيد ، فإن جرثومة الشقاق لا تولد حتى يولد معها كل ما يهدد عاقبة الأمة بالانهيار .
وفي الناس طبائع سيئة قد تموت وحدها في ظل الوحدة الكاملة . فإذا نجمت بوادر الفرقة رأيت المتربصين والمنتهزين يلتفون حول أول ثائر ، ظاهر أمرهم التجمع حول مبدأ ، وباطنه دون ذلك :
ولذلك يقول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « من خرج عن الطاعة وفارق الجماعة فمات ، مات ميتة جاهلية » « 3 » .
وفي حديث آخر : « . . . من خرج على أمتي يضرب برّها وفاجرها ، لا يتحاشى من مؤمنها ، ولا يفي بعهد ذي عهدها ، فليس مني ولست منه » « 4 » .
* * * من حق الفاضل أن يقدم ، ومن حق ذي الكفاية أن تستفيد الأمة منه .
على أن الرجل مهما أوتي من فضل وكفاية فلن ينفع نفسه ، ولن تنتفع به أمته
هامش
( 1 ) مسلم .
( 2 ) النساء : 115 .
( 3 ) البخاري .
( 4 ) مسلم .