وقادة الأمم ، وسادة الشعوب ، وإذا هم يبرزون في كل ميدان ، ويبرزون في كل ناحية ، ويسبقون في كل نشاط حضاري ، ويتفوقون تفوقا لم يسبقوا إليه ولم يلحقوا فيه .
وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ( 33 ) لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ
« 1 » .
* * * قال علي أمير المؤمنين عليه السّلام :
أحسن إلى من شئت تكن أميره * واستغن عمن شئت تكن نظيره
واحتج إلى من شئت تكن أسيره
« أي . . . أحسن إلى أي إنسان تكن فوقه ، واستغن عنه تكن مثله ، واحتج إليه تكن دونه ، وهذه الطبقات من سنن الطبيعة ليس بين الأحياء فقط ، وإنما تتعدى ذلك حتى إلى الجمادات ، فمن الناس من يعبد الشمس لإحسانها إليهم بالدفء والنور .
ومنهم من يعبد الأنهار لإحسانها إليهم بالماء والجمال . ومنهم من يعبد البقر لإحسانها إليهم بالخدمة والغذاء . وعلى العكس نرى الجماد والنبات يعبد الحيوان صامتا وناطقا ، إذا اعتبرنا الخضوع والامتثال عبادة ، وليست العبادة إلا هذا .
فالإنسان والحيوان إذ يحرثان الأرض يحسنان إليها بتأهيلها للنور والهواء وتنقيتها من العفونة والغش والطفيليات ، ومن جاء لبنان ورأى شقاء الإنسان ونصبه في العناية بما يزرع وبما يغرس ، ورأى جمال الشجر والثمر ، ثم رأى الجداول والظلال فوق صفحة هذه الأرض المسبغ عليها فن الإنسان بتبسيطها وتنسيق غرسها ، وصيانتها من أعراض الطبيعة وظلم النبات الدخيل والحيوان الأرعن . أقول : إن من يرى عناية الإنسان هذه بالأرض والماء والشجر والنبات ، رأى مبلغ ما يحسنه الحيوان صامتا وناطقا إلى الجماد ؛ ثم رأى خضوع النبات والجماد بعد ذلك إلى الحيوان بإنتاج الطعام والشراب له ، ورأى تضحية هذه الأرض بما تتحمله من مشقة هذا الخضوع للإنسان بين حرث وإجهاد ، ورأى تضحية ذلك النبات بما يتحمله من مشقة الخضوع للإنسان بين نشذيب وتهذيب حتى يزهر ويثمر . أقول : من رأى ذلك عجب من تضامن الحيوان والجماد والنبات ، بين آمر ومأمور في سبيل الحياة واستقامة الوجود .
هامش
( 1 ) سورة الزمر ، الآيتان 33 - 34 .