لماذا يقابل المعروف بالكفران ؟
السبب الرئيسي في انتشار رذيلة الكنود والكفران خبث نفس المسدى إليه ، ولؤم طبيعته وإقفار نفسه من الفضيلة ، وإمعانه في الإساءة إلى من أحسن إليه ، ولا عجب فقد أبان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم تلك النفس بقوله : « جبلت النفس الخبيثة على ألا تخرج من الدنيا حتى تسيء إلى من أحسن إليها » ومع هذا كله فإن كثرة أهل الجحود والكنود لا توجب تثبيط همتنا . ولا تحول وجوهنا عن إسداء المعروف . ألا ترى أن كفران نعمة اللّه لم تغير من نعمته علينا ، وما زالت نعمته تتناول الشاكر والكافر ، وإنا لنستحق خيبة الرجاء في الشكر إذا كنا أعطينا ما أعطيناه على نية انتظار الجزاء والمكافأة عليه ، كما أننا لا ينبغي أن نمتنع عن المعروف إذا تكررت لنا منه حوادث الكفران والكنود ، فكثيرا ما خاب ظن المرء في امرأته وولده ، فما منعه ذلك معاودة الزواج وتربية الأولاد ، وإشرافنا على الغرق مرة لا يمنعنا من ركوب البحر مرة أخرى ، والنكوص عن صنع الجميل بحجة عدم المكافأة عليه يدل على التطلع إلى استجلاب الفائدة من ورائه .
وعلى ذلك يكون ما أعطيناه كالقرض ننتظر معه الوفاء » « 1 » .
ويتفرع من المعروف أمور : منها الأمر بالمعروف . ومنها العفو عن المسئ .
ومنها الإحسان .
إن من المعروف الأمر بالمعروف :
لا نرتاب بأن الأمر بالمعروف من أهله في محله ربما كان أعظم من فعل المعروف ، لأن فيه حفظ النظام بين أفراد النوع الإنساني ، وبه اكتساب الفضائل الدينية والعقلية ، وإزلة الأخلاق الفاسدة ، والعمل بما فيه الحياة في الدارين . ولا أراك تشك بأن التهذيب والتعليم والالزام لشخص بما فيه ظهور كماله وجميل صنعه وحسن سيرته ، خير له من إعطائه ألف دينار يتنعم بها في معاشه مع تلوثه بأقذار المفاسد وتهوره في هوة الجهالة .
الأمر بالمعروف وفعل المعروف واجبان بحكم العقل والشرع وجوبا كفائيا على كافة العقلاء ، ولا شرط لوجود فعل المعروف سوى القدرة عليه .
إن تأثير الأمر بالمعروف له شروط يتوقف تحريك خطابه للمكلفين عليها :
هامش
( 1 ) الخلق الكامل .