عليه عمرو بأن أهل مصر استنظروه حتى تنضج غلاتهم ، ولو أعجلهم لاضطروا إلى بيع ما لا يستغنون عنه ، فقبل عمر هذا العذر وأقره . وقد جرى الخلفاء على أن لا يعذب أحد من أهل الذمة في طلب الجزية ، ولا يقام في الشمس ، ولا يؤذى في بدنه بشيء ، بل يرفق به ويحبس حتى يؤدي ما عليه . وقد استعمل أمير المؤمنين علي عليه السّلام ، رجلا من ثقيف على بزرج سابور ( بينها وبين بغداد عشرة فراسخ ) ، فقال له : لا تضربن سوطا في جباية درهم ، ولا تبيعن لهم رزقا ، ولا كسوة شتاء ولا صيف ، ولا دابة يعتملون عليها ، ولا تقيمن رجلا قائما في طلب درهم . قال الثقفي : يا أمير المؤمنين ، إذا أرجع إليك كما ذهبت من عندك . قال الإمام علي عليه السّلام : وإن رجعت كما ذهبت ، ويحك ، إنا أمرنا أن نأخذ منهم العفو ( يعني الفضل ) .
شهود عدل :
لم يبق شك في أن الإسلام عامل أهل الذمة بالحسنى ، وأظلهم بسماحته ورحمته ، بعد أن أحرقتهم مظالم الأمم السابقة .
وإنا لنجد إقرارا بهذا من الغربيين المنصفين ، وهم في إقرارهم بفضل الإسلام ورحمته لم يتأثروا بعاطفة ، أو يجاروا هوى .
1 - قال العلامة مونتسكيو في كتابه ( أصول الشرائع ) :
إن الجزية التي فرضها الإسلام كانت من أسباب سهولة الفتح ، لأن الشعوب التي كانت تخضع لسلسلة لا تنتهي من المغارم التي فرضها جشع الأباطرة ، آثرت أن ترضى بأداء جزية خفيفة يمكن تسديدها بسهولة وتسلمها بسهولة ، ووجدت نفسها سعيدة بأن تدين لأمة متبربرة - يقصد المسلمين - تعاملها على هذه الصورة ، خيرا لها من أن تدين لحكومة فاسدة مستبدة ، لا يشعر الناس في حكمها إلا بويلات من العبودية .
2 - قال الكونت هنري دي كاستري :
لقد كان استبداد الرومان من أسباب انتشار الإسلام ، وخضوع الناس لسلطانه في آسيا وإفريقيا ، لأن الحكم كان قد انحدر إلى العسف والجور ، فلما جاء الإسلام ترامى الناس إليه ، هربا من الضرائب الفادحة واغتصاب الأموال . ( الإسلام خواطر وسوانح ) .
لقد تم الفراغ - والحمد للّه وله المنة - من تأليف هذا الكتاب وتبييضه في السنة السادسة والثمانين بعد الثلاثمائة والألف هجرية في النجف الأشرف بلد علي عليه السّلام
ومهجر العلم على يد مؤلفه الراجي عفو ربه حسن السيد علي القبانجي النجفي