ويحتفظون بما يقع منها في أثناء التمشيط ويحرقونه حتى لا تمس كرامته ، وأول من خالف هذه القاعدة السلطان سليم الفاتح ( سنة 1512 م - 1520 م ) فقص لحيته ، وأمر رجاله بذلك ، فوقع أمره كالصاعقة على المسلمين ، ولا سيما الفقهاء ، وفي مقدمتهم قاضي القضاة ، فشكا إلى السلطان من هذا الأمر فأجابه مازحا ( قد قصصت لحيتي حتى لا يبقى لوزيري شيء يقودني به ) ، يشير إلى استبداد الوزراء في ذلك العهد . ولم يطل قص اللحى ، فعاد الناس إلى إرسالها .
وكان الأشوريون ومن خلفهم من الفرس ، يرسلون لحاهم ويتفننون في تطبيقها وخضابها . وذكروا حروبا انتشبت بين شعوب آسيا بسبب اللحى : منها حرب قامت بين التتار والفرس ، وأخرى بين التتار والصين سفكت فيها دماء غزيرة ، وسبب الحرب الأولى أن التتار كانوا يقصون لحاهم فاتهموا الإيرانيين بالكفر ، لأنهم لا يقصونها وتخاصموا ، ثم تحاربوا . وهكذا يقال في سبب الحرب الأخرى .
وكان اليونان في أعصرهم الأولى يرسلون لحاهم حتى ظهر الإسكندر ، وحمل على العالم ، فأمر رجاله بقص لحاهم لئلا يستعين الأعداء في ساحة الوغى بالقبض عليها . وكان لهذه البدعة تأثير في العالم الروماني أيضا ، فاقتدى الرومان باليونان ، وأصبح إرسال اللحى عندهم دليل الهمجية ، ولذلك سموا الشعوب الجرمانية التي تساقطت عليهم من الشمال ( بربر ) من ( باربا ) في اللاتينية اللحية ، والباربر صاحب اللحية ، لأن أولئك الشعوب كانوا يرسلون لحاهم بلا نظام أو ترتيب فتكسبهم هيئة وحشية .
ومن تاريخ اللحى في التمدن الحديث ، أن بطرس الأكبر قيصر الروس وضع ضريبة على اللحى ، والظاهر أن الإنكليز سبقوه إلى مثلها وهو قلدهم . فمن دفع الغرامة أذن له بترك لحيته وإلا فإنهم يحلقونها له بالقوة ، ولم يبق لها مثل هذه القيمة عندهم الآن . وكان الإسبانيون يكرمون اللحى كثيرا ، ومن أمثالهم بعد أن بطلت هذه العادة ( لما أضعنا لحانا أضعنا أنفسنا ) ، وكذلك كان البرتغاليون ، فإن ( جوان كاسترو ) لما اقترض ألف بندقية من مدينة جوا ، رهن عندهم خصلة من لحيته وقال : ( إن ذهب العالم كله لا يساوي هذا الجزء من إكليل بسالتي ) .
وأما بالنظر إلى الطوائف المسيحية ، فالكنيسة الأرثوذكسية تدافع عن اللحى وتعد إرسالها ضروريا . والكنيسة الكاثوليكية ضد ذلك . لا يمكننا أن نتصور بطريركا بدون لحية ، كما يصعب علينا أن نتصور بابا بلحية ، وكان من العادات القديمة ، أن من يقصر
شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 338
مساهمون: السيد حسن القبانچي
ص٣٣٨