بالعطف والصبر ، لأن أداء هذا لا يعادل ما صادفاه من المشاق العظيمة في تربيته منذ ولد إلى أن صار شابا يكسب المال بجده ونشاطه ، بفضل رضائهما وحبهما ودعائهما ، وتثقيفهما عقله بالعلم والأدب . فيجب عليه أن يعاملهما بالبر والإحسان عملا بقوله تعالى :
* وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما وَقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيماً ( 23 ) وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً
( 24 ) « 1 » .
وقال تعالى :
وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ إِحْساناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً
« 2 » .
وقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « بر الوالدين أفضل من الصلاة ، والصدقة والصوم والحج ، والعمرة ، والجهاد في سبيل اللّه » .
3 - أما طاعته لهما فهي دليل على إخلاصه وحبه ، فواجب عليه أن يطيعهما وأن يخلص لهما ، في السر والعلانية ، وأن يعمل بنصائحهما ، وأن يعتقد كل الاعتقاد أن الفوز والنجاح في امتثال أوامرهما ، والخيبة والخسران في مخالفتهما ، لأنهما أعرف منه بالنفع والضرر ، وأكثر خبرة منه بأمور الدنيا ولا يهمهما إلا نفعه ، وراحته وسعادته .
4 - أما احترامه البنوي لهما ، فيكون برعاية الأدب نحوهما في قوله وفعله ، فلا يعاملهما معاملة الأنداد ، بل معاملة الصغير للكبير ، حتى إذا بلغا من الكبر عتيا وجب عليه احتمال ما يبدو منهما مهما كان مخالفا للعقل والصبر مع التلطف في إرشادهما إلى جادة الحق والصواب » « 3 » .
وهنا لفتة جميلة :
جاء عن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أنه قال : « إن ثلاثة نفر انطلقوا إلى الصحراء فمطرتهم السماء ، فلجؤوا إلى كهف جبل ينتظرون إقلاع المطر ، فبينما هم كذلك إذ هبطت صخرة من الجبل ، وجثمت على باب الغار ، فيئسوا من الحياة والنجاة ، فقال أحدهم :
لينظر كل واحد منكم إلى أفضل عمل عمله فليذكره ، ثم ليدع اللّه تعالى أن يرحمنا وينجينا .
هامش
( 1 ) سورة الإسراء ، الآيتان 23 - 24 .
( 2 ) سورة الأحقاف ، الآية 15 .
( 3 ) الإنسان لعلي فكري .