فيها ، وصحته وسروره أغلى ما تبغي الحصول عليه ، تفديه بكل ثمين وغال ، وتقيه بما تستطيع وتملك من كل غائلة وشر ، إن بكى طارت نفسها شعاعا ، وإن مرض تقرّحت جفونها التياعا ، فليس من حسن الصنيع أن يقابل ذلك بالجحود والكفران أو يجعله في مطارح النسيان .
وقد خص الأم في هذا الحديث ، لأن العقوق إليها أسرع لضعفها ، ولينبه على أن برّ الأم مقدم على برّ الأب في التلطف والحنو .
وثانيها : دفن البنات وهن أحياء . وكان أهل الجاهلية يفعلون ذلك مخافة الفقر أو العار ، لأن البنت ضعيفة المنة عاجزة عن مزاحمة الرجال في كسب مادة الحياة فتكون عبئا على أبيها وحملا ثقيلا ، فكان بعضهم يقتل البنات ليخف عنه ثقل معيشتهن ، وبعض آخر يئدهن مخافة أن يجلبن العار بزلة تجعل أهلها سبّة الدهر .
وثالثها : منع وهات . والمراد بهما البخل بالمال عن الواجبات الشرعية وما تقتضيه المروءة من زكاة وصدقة وبر وإعانة محتاج وغوث مستغيث ونحو ذلك ، والطمع فيما ليس أهلا له من ابتغاء أجر بدون عمل ، أو زيادة على استحقاق لما في ذلك من إضاعة المروءة وإذلال النفس وأكل المال بالباطل .
ورابعها : قيل وقال . والمراد تتبع أخبار الناس وأحوالهم للتحديث بها وإشاعتها ، وربما كان في شيء منها ما يغضب المقول فيه من أمور كان يود إخفاءها ، وأسرار لا يحب إذاعتها فتنشأ العداوة وتنمو الضغينة ويعم الفساد والأذى .
أضف إلى ذلك ما يوصم به من كانت هذه صفته من المذلة والصغار ، ما يلقاه من الناس من الإهانة والاحتقار .
وخامسها : كثرة السؤال والمراد بذلك إما سؤال المال والصدقة ، وفي ذلك من إراقة ماء الوجه وإذلال النفس ما يربأ المؤمن أن يدنس نفسه ، وإما السؤال عن المشكلات والمعضلات وأخبار الناس واختراع الأحاجي والألغاز للتعجيز والإرهاق لما يترتب على ذلك من إضاعة الوقت في غير المفيد . وربما كان في الجواب عن السؤال ما يؤلم السائل ويسيء إليه أو إلى غيره على حد قوله تعالى :
لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ
« 1 » .
هامش
( 1 ) سورة المائدة ، الآية 101 .