لقد أفضت في القول عن الرقية في غير موضع من هذه الدروس ، وأراني الآن على ضوء كلمة الإمام عليه السّلام حريصا أن لا يفوتني البحث عنها ولو بطريق الإيجاز ، على أن التعبير هنا يزيد معنى جديدا .
يوصينا الإمام عليه السّلام بملك اليمين . ويوصينا اللّه كذلك ، ورسوله فيما ملكت أيماننا .
وإنما تتكاثر الوصايا علينا في ملك اليمين ، لأنه شيء مملوك وضعيف ولا بد أن الإنسان يرى في نفسه أنه قادر على التصرف بكل ما ملكت يمينه من شيء ، فيذهب به هذا إلى أشياء غير حسنة .
وهنا يعلل الإمام وصيته في الرفق بملك اليمين ، الإنسان المالك لم يكن هو الذي خلق هذا المملوك ، ولا هو الذي أعطاه سمعا ولا بصرا ، ولا هو الذي أجرى له رزقا ، وإنما اللّه هو الذي تكفل بهذه جميعا . فهو الذي جعل له السمع والبصر والفؤاد ، وهو الذي أوفر من أمره كل شيء ، وبعد ذلك جعله مسخرا للمالك يتصرف لا بنفسه ولا بروحه ولا بكل شيء فيه ، وإنما للمالك فقط حق الأمر ، وعلى المملوك حق الطاعة إلا فيما يخالف أمر اللّه .
وليس للمالك أن يرهق عبده من أمره عسرا ، فإذا أمره بأمر لا يطيقه فليعنه وليأخذ من يده كما أمرنا بذلك رسول الإنسانية محمّد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، وليس العبد أو المملوك وراء ذلك إلا خلقا إنسانيا مشابها للخلق الإنساني في الحرية ، فيجب أن يساوى في جميع الحقوق التي يتمتع بها الحر المالك من مأكل ومشرب وملبس . وليس للمالك أن يعذب مملوكه في غير شيء ، فإن كان قد كرهه فما أيسر التخلص منه والاستبدال به مملوكا آخر .
والإسلام ذو رأي ندي رفيق في الرقيق ، فهو أولا لا يميل إلى الرقية بطبعه وإنما يميل إلى إلغائها بصورة تدريجية ، عن طريق وسائل عديدة يمكن بها التقليل من عدد المماليك ، ثم إنهاؤهم آخر الأمر وإعتاقهم وإعطائهم الحرية الكاملة ومساواتهم بالناس
شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 404
مساهمون: السيد حسن القبانچي
ص٤٠٤