تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 319

مساهمون:

ص٣١٩
ذلك مما لا يعزب عن فطنته . الشرط الخامس : إن المتكفل ببعض العلوم ينبغي ألا يقبح في نفس المتعلم العلوم التي وراءه : كمعلم اللغة إذ عادته تقبيح علم الفقه ، ومعلم الفقه عادته تقبيح علم الحديث والتفسير ، فهذه أخلاق مذمومة للمعلمين ينبغي أن تجتنب ، بل المتكفل بعلم واحد ينبغي أن يوسع على المتعلم طريق التعلم في غيره والمتكفل بعلوم ينبغي أن يراعي التدريج في ترقية المتعلم من رتبة إلى رتبة . الشرط السادس : أن يقتصر بالمتعلم على قدر فهمه ، فلا يلقي إليه ما لا يبلغه عقله فينفره أو يخبط عليه عقله اقتداء في ذلك بسيّد البشر صلّى اللّه عليه وآله وسلّم حيث قال : « نحن معاشر الأنبياء أمرنا أن ننزل الناس منازلهم ، ونكلمهم على قدر عقولهم » . فليبث إليه الحقيقة إذا علم أنه يستقل بفهمها . وقال صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « ما أحد يحدث قوما بحديث لا تبلغه عقولهم إلا كان فتنة على بعضهم » . وقال علي ( رضي اللّه عنه ) وأشار إلى صدره : « إن ههنا لعلوما جمة لو وجدت لها حملة » وصدق ( رضي اللّه عنه ) فقلوب الأبرار قبور الأسرار ، فلا ينبغي أن يفشي العالم كل ما يعلم إلى كل أحد . هذا إذا كان يفهمه المتعلم ولم يكن أهلا للانتفاع به فكيف فيما لا يفهمه ولذلك قيل : « كل لكل عبد بمعيار عقله ، وزن له بميزان فهمه حتى تسلم منه وينتفع به ، وإلا وقع الإنكار لتفاوت المعيار » . وسئل بعض العلماء عن شيء فلم يجب . فقال السائل : أما سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قال : « من كتم علما نافعا جاء يوم القيامة ملجما بلجام من نار » ؟ فقال : اترك اللجام واذهب ، فإن جاء من يفقه وكتمته فليلجمني ، فقد قال تعالى :
وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ
« 1 » تنبيها على أن حفظ العلم ممن يفسده ويضره أولى وليس الظلم في إعطاء غير المستحق بأقل من الظلم في منع المستحقين . الشرط السابع : إن المتعلم القاصر ينبغي أن يلقى إليه الجلي اللائق به ولا يذكر له وراء هذا تدقيقا وهو يدخره عنه ، فإن ذلك يفتر رغبته في الجلي ويهوش عليه قلبه ، ويوهم إليه البخل به عنه ، إذ يظن كل أحد أنه أهل لكل علم دقيق ، فما من أحد إلا وهو راض عن اللّه سبحانه في كمال عقله . وأشدهم حماقة وأضعفهم عقلا هو أفرحهم بكمال عقله ، وبهذا يعلم أن من تقيد من العوام بقيد الشرع ورسخت في نفسه العقائد
هامش
( 1 ) سورة النساء ، الآية 5 .