تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 318

مساهمون:

ص٣١٨
المصباح تضيء لغيرها وهي تحترق كما قيل :
ما هو إلا ذبالة وقدت * تضيء للناس وهي تحترق
ومن اشتغل بالتعليم فقد تقلد أمرا عظيما ، وخطرا جسيما فليحفظ شرائطه : الشرط الأول : الشفقة على المتعلمين ، وأن يجريهم مجرى بنيه ، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « إنما أنا لكم مثل الوالد لولده » فيقصد إنقاذهم من نار الآخرة ، وهو أهم من إنقاذ الوالدين ولدهما من نار الدنيا ، ولذلك صار حق المعلم أعظم من حق الوالدين ، فإن الوالد سبب الوجود الحاضر والحياة الفانية ، والمعلم سبب الحياة الباقية ، ولولا المعلم لانساق ما حصل من جهة الأب إلى الهلاك الدائم ، وإنما المعلم هو المفيد للحياة الأخروية الدائمة إذا علم علوم الآخرة ، أو علوم الدنيا على قصد الآخرة ، وإلا فهو هلاك وإهلاك نعوذ باللّه منه . والذين يطلبون الرياسة بالعلوم خارجون عن موجب قوله تعالى
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ
« 1 » وداخلون في مقتضى قوله تعالى :
الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ
( 67 ) « 2 » . الشرط الثاني : أن يقتدي بصاحب الشرع ( صلوات اللّه وسلامه عليه ) فلا يرى لنفسه على المتعلمين منّة وإن كانت المنة لازمة عليهم . الشرط الثالث : ألّا يدع من نصح المتعلم شيئا : وذلك بأن يمنعه من التصدي لرتبة قبل استحقاقها والتشاغل بعلم خفي قبل الفراغ من الجلي . ثم ينبهه على أن الغرض من طلب العلم القرب من اللّه دون الرياسة والمباهاة والمنافسة وأن يقبح ذلك في نفسه بأقصى ما يمكن ، فليس ما يصلحه العالم الفاجر بأكثر مما يفسده . فإذا تعلم الطالب وقصده الدنيا فلا بأس أن يتركه ، فإنه يثمر له طمعا في الوعظ . الشرط الرابع : وهو من دقائق صناعة التعليم : أن يزجر المعلم المتعلم عن سوء الأخلاق بطريق التعريض ما أمكن ولا يصرح ، وبطريق الرحمة لا بطريق التوبيخ ، فإن التصريح يهتك حجاب الهيبة ويورث الجرأة على الهجوم بالخلاف ويهيج الحرص على الإصرار : إذ قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - وهو مرشد كل متعلم - « لو منع الناس عن فت البعر لفتوه ، وقالوا ما نهينا عنه إلا وفيه شيء » . ولأن التعريض أيضا يميل النفوس الفاضلة والأذهان الذكية إلى استنباط معانيه ، فيفيد فرح التفطن لمعناه رغبة في العلم به ليعلم أن
هامش
( 1 ) سورة الحجرات ، الآية 10 . ( 2 ) سورة الزخرف ، الآية 67 .