وتصنعا ، أما في التذلل والاستكانة فلا تكلف ولا تصنع .
ومهمّ أيضا أن نعرف أن الإمام عليه السّلام يكشف لنا عن جانب مهمّ من جوانب الطبيعة المحيطة بنا ، وهو جانب الذل والمسكنة ، فليس علينا من سبيل إذا عرفنا أن الطبيعة ليست جبارة ، وليست متكبرة ، وليست مخيفة ، إنما السبيل علينا لو عرفنا غير ذلك .
هكذا يقرر الإمام ( صلوات اللّه عليه ) فهو يريد أن ينبه إلى أن الأصل في الطبيعة هو الذل والمسكنة ، والأصل في كل شيء يوافق ويلائم ما عليه الشيء من حال . أما الخروج عن الأصل ، وعن الحالة الاعتيادية فهو خرق للنظام وتكلف في خلق نظام آخر جديد لا يقوم مقام النظام الأول .
ولا يريد عليه السّلام أن الذل أصل في كل إنسان بالنسبة إلى مثله . فليس ذلك ما يريد ، لأن الطبيعة الإنسانية في حساب الإمام عليه السّلام كوحدة موحدة لا تمايز فيها ولا خلاف ، وهي كلها يجب - كما أن الأصل فيها - أن تكون ذليلة خاضعة لمن ؟ للّه القوي المتكبر المتجبر المهيمن السّلام ، ولا قوة إلا باللّه .
هذا ما يتجلى لدينا من هذه الفقرات المشعة .
ومعلوم أن الهدي والقلائد قوام للناس ، فمن بذلها قومت له دينه ، وكفرت عن ذنبه ، وطهرت له نفسه ، وزكت ماله ، وجعلته آمنا على نفسه وهي عند من يأخذها قوام حياته ، وتخفيف آلامه .
والقرآن الكريم ربط ( الهدي ) بتقوى اللّه قال :
وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ
( 32 ) « 1 » . إذ إن التقوى هي الغاية من مناسك الحج وشعائره .
وتعظيم شعائر اللّه تعالى يتبعه الالتزام بها ، وذلك خير عند اللّه . خير في عالم الضمير والمشاعر ، خير في عالم الحياة والواقع . فالضمير الذي يتمسك بشعائر اللّه هو الضمير الذي يتطهر ، والحياة التي ترعى فيها شعائر اللّه هي الحياة التي يأمن فيها البشر من البغي والاعتداء ، ويوجد فيها مثابة أمن ، وواحة سلام ، ومنطقة اطمئنان . وفوق ذلك إنها رموز تعبيرية عن التوجه إلى رب البيت وطاعته . وقد تحمل في طياتها ذكريات قديمة من عهد إبراهيم عليه السّلام وما تلاه ، وهي ذكريات الطاعة والإنابة والتوجه إلى اللّه منذ نشأة هذه الأمة المسلمة ، فهي والدعاء والصلاة سواء .
هامش
( 1 ) سورة الحج ، الآية 32 .