تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكبائر والصغائر — صفحة 39

مساهمون:

ص٣٩
بها رب العالمين ، ولا يحيق المكر السئ إلّا بأهله . وخامسا : أن المعصية وهي الموقف السوء من الإنسان ذو أثر سيىء في حياته لا يتاب منها ولا يرجع عنها إلّا مع العلم والإيقان بمساءتها ، ولا ينفك ذلك عن الندم على وقوعها أولا ، والندم تأثر خاص باطني من فعل السئ ويتوقف على استقرار هذا ، الرجوع ببعض الأفعال الصالحة المنافية لتلك السيئة الدالة على الرجوع والتوبة ثانيا . وإلى هذا يرجع جميع ما اعتبر شرعا من آداب التوبة كالندم والاستغفار والتلبس بالعمل الصالح ، والانقلاع عن المعصية إلى غير ذلك مما وردت به الأخبار ، وتعرض له كتب الأخلاق . وسادسا : أن التوبة وهي الرجوع الاختياري عن السيئة إلى الطاعة والعبودية إنما تتحقق في طرف الاختيار وهو الحياة الدنيا التي هي مستوى الاختيار ، وأما فيما لا اختيار للعبد هناك في انتخاب كل من طريقي الصلاح والطلاح والسعادة والشقاوة فلا مسرح للتوبة فيه ، وقد تقدم ما يتضح به ذلك . ومن هذا الباب التوبة فيما يتعلق بحقوق الناس فإنها إنما تصلح في ما يتعلق بحقوق اللّه سبحانه ، وأما ما يتعلق من السيئة بحقوق الناس مما يحتاج في زواله إلى رضاهم فلا يتدارك بها البتة لأن اللّه سبحانه احترم الناس بحقوق جعلها لهم في أموالهم وأعراضهم ونفوسهم ، وعدّ التعدي إلى أحدهم في شيء من ذلك ظلما وعدوانا ، وحاشاه أن يسلبهم شيئا مما جعله لهم من غير جرم صدر منهم ، فيأتي هو نفسه بما ينهى عنه ويظلمهم بذلك ، وقد قال عزّ من قائل :
إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً
« 1 » . إلّا أن الإسلام وهو التوبة من الشرك يمحو كل سيئة سابقة وتبعة ماضية متعلقة بالفروع كما يدل عليه قوله عليه السّلام : الإسلام يجبّ ما قبله ، وبه تفسر الآيات المطلقة الدالة على غفران السيئات جميعا كقوله تعالى :
قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ
هامش
( 1 ) سورة يونس : 44 .