تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكبائر والصغائر — صفحة 38

مساهمون:

ص٣٨
الفوز بالسعادة كما يشير إليه قوله تعالى :
وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
« 1 » ، ومن فوائدها مضافة إلى ذلك أن فيها حفظا لروح الرجاء من الانخماد والركود فإن الإنسان لا يستقيم سيره الحيوي إلّا بالخوف والرجاء المتعادلين حتى يندفع عما يضره وينجذب إلى ما ينفعه ، ولولا ذلك لهلك ، قال تعالى :
قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ
« 2 » ، ولا يزال الإنسان على ما نعرف من غريزته على نشاط من الروح الفعالة وجدّ في العزيمة والسعي ما لم تخسر صفقته في متجر الحياة ، وإذا بدا له ما يخسر عمله ويخيب سعيه ويبطل أمنيته استولى عليه اليأس وانسلت به أركان عمله وربما انصرف بوجهه عن مسيره آيسا من النجاح خائبا من الفوز والفلاح ، والتوبة هي الدواء الوحيد الذي يعالج داءه ، ويحيى به قلبه وقد أشرف على الهلكة والردى . ومن هنا يظهر سقوط ما ربما يتوهم أن في تشريع التوبة والدعوة إليها إغراء بالمعصية ، وتحريضا على ترك الطاعة ، فإن الإنسان إذا أيقن أن اللّه يقبل توبته إذا اقترف أي معصية من المعاصي لم يخلف ذلك في نفسه أثرا ، دون أن تزيد جرأته على هتك حرمات اللّه والانغمار في لجج المعاصي والذنوب ، فيدق باب كل معصية قاصدا أن يذنب ثم يتوب . وجه سقوطه : أن التوبة إنما شرعت مضافا إلى توقف التحلي بالكرامات على غفران الذنوب للتحفظ على صفة الرجاء وتأثيره حسن أثره ، وأما ما ذكر من استلزامه أن يقصد الإنسان كل معصية بنيّة أن يعصي ثم يتوب ، فقد فاته أن التوبة بهذا النعت لا يتحقق معها حقيقة التوبة فإنها انقلاع عن المعصية ، ولا انقلاع في هذا الذي يأتي به ، والدليل عليه أنه كان عازما على ذلك قبل المعصية ومع المعصية وبعد المعصية ، ولا معنى للندامة ( أعني التوبة ) قبل تحقق الفعل بل مجموع الفعل والتوبة في أمثال هذه المعاصي مأخوذ فعلا واحدا مقصود بقصد واحد مكرا وخديعة يخدع
هامش
( 1 ) سورة النور : 31 . ( 2 ) سورة الزمر : 54 .