تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكبائر والصغائر — صفحة 33

مساهمون:

ص٣٣
وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا
« 1 » ، وقوله :
فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى
« 2 » . وإذا كان كذلك فوروده منزلة الكرامة واستقراره في مستقر السعادة يتوقف على انصرافه عما هو فيه من مهبط الشقاء ومنحط البعد وانقلاعه عنه برجوعه إلى ربه ، وهو توبته إليه في أصل السعادة وهو الإيمان ، وفي كل سعادة فرعية وهي كل عمل صالح أعني التوبة والرجوع عن أصل الشقاء وهو الشرك باللّه سبحانه ، وعن فروعات الشقاء وهي سيئات الأعمال بعد الشرك ، فالتوبة بمعنى الرجوع إلى اللّه والانخلاع عن ألواث البعد والشقاء يتوقف عليها الاستقرار في دار الكرامة بالإيمان ، والتنعم بأقسام نعم الطاعات والقربات ، وبعبارة أخرى يتوقف القرب من اللّه ودار كرامته على التوبة من الشرك ومن كل معصية ، قال تعالى :
وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
« 3 » فالتوبة بمعنى الرجوع إلى اللّه تعم التوبتين جميعا بل تعمهما وغيرهما على ما سيجيء إن شاء اللّه . ثم إن الإنسان لما كان فقيرا في نفسه لا يملك لنفسه خيرا ولا سعادة قط إلّا بربه كان محتاجا في هذا الرجوع أيضا إلى عناية من ربه بأمره ، وإعانة منه له في شأنه فيحتاج رجوعه إلى ربه بالعبودية والمسكنة إلى رجوع من ربه إليه بالتوفيق والإعانة ، وهو توبة اللّه سبحانه لعبده المتقدمة على توبة العبد إلى ربه كما قال تعالى :
ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا
« 4 » ، وكذلك الرجوع إلى اللّه سبحانه يحتاج إلى قبوله بمغفرة الذنوب وتطهيره من القذارات وألواث البعد ، وهذه هي التوبة الثانية من اللّه سبحانه المتأخرة عن توبة العبد إلى ربه كما قال تعالى :
فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ
الآية . وإذا تأملت حق التأمل وجدت أن التعدد في توبة اللّه سبحانه إنما عرض لها من حيث قياسها إلى توبة العبد ، وإلّا فهي توبة واحدة هي رجوع اللّه سبحانه إلى عبده بالرحمة ، ويكون ذلك عند توبة العبد رجوعا إليه قبلها
هامش
( 1 ) سورة مريم : 72 . ( 2 ) سورة طه : 117 . ( 3 ) سورة النور : 31 . ( 4 ) سورة التوبة : 118 .
الكبائر والصغائر — صفحة 33 | السيد محمدحسين الطباطبائي