فما من حبّة مطر إلا ويأتي بها ملك ليضعها في موضعها المناسب ، وما من نطفة إلا ويفصّل ملامحها ويخطط جغرافية حياتها وأعمالها ملك ، ولا يتحرك ريح ولا موج ولا نجم ولا سحاب إلا ويحركه ملك وفق خطة حكيمة ، ولا تنبض خاطرة في دماغك إلا بوحي ملك أو شيطان .
صحيح أن اللّه يصمم جميع الأقدار ، وأنه يستطيع أن يدير كل العوالم بلا جهاز إداري ، ولكن شاء أن يديرها بجهاز إداري ، ففي بعض الحديث :
( أبى اللّه أن يجري الأمور إلا بأسبابها ) كما أن اللّه قادر أن يرزق جميع الناس من فوق رؤوسهم ومن تحت أقدامهم بلا سعي ولا حاجة أحد إلى أحد . ولكنه شاء أن يرزق الناس بمساعيهم ، وأن يرزق بعضهم ببعض .
وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا
« 1 » .
وكما أن اللّه قادر أن يلهم كل واحد من الناس شرائع دينه بلا وسائط ، كما ألهم الحيوانات وظائفها بلا وسائط فقال :
وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ( 68 ) ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا
« 2 » ، ولكنه شاء أن يعلمهم شرائعهم بواسطة الأنبياء والأوصياء والعلماء .
وكما أن اللّه قادر على أن ينزع خصائص الأرض من الناس ليعيشوا كالملائكة ، هو ايتهم الهدي وشهوتهم العبادة ، ولكنه شاء أن يتعرضوا للتجربة ، حتى يبلغ كلّ مداه فقال :
وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ
« 3 » .
هامش
( 1 ) سورة الزخرف : الآية 32 .
( 2 ) سورة النحل : الآيتان 68 - 69 .
( 3 ) سورة هود : الآية 118 .