فبعث إليه جماعة من الأتراك . . فهجموا على الدار ليلا فلم يجدوا فيها شيئا . . ووجدوه في بيت مغلق عليه ، وعليه مدرعة من صوف ، وهو جالس على الرمل والحصى وهو متوجّه إلى اللّه تعالى يتلو آيات من القرآن . . .
فحمل على حالته تلك إلى المتوكل . . وقالوا له : لم نجد في بيته شيئا ووجدناه يقرأ القرآن مستقبلا القبلة . .
وكان المتوكل جالسا في مجلس الشراب ! فدخل عليه الإمام عليه السّلام والكأس في يده الآثمة . . فلما رآه هابه وعظّمه وأجلسه إلى جانبه . .
وناوله الكأس التي كانت في يده .
فقال عليه السّلام : واللّه ما يخامر لحمي ودمي قط . .
فقال المتوكل : أنشدني شعرا . . .
فقال عليه السّلام : إني لقليل الرواية للشعر .
فقال المتوكل : لا بد . .
فأنشد الإمام الهادي عليه السّلام قصيدة وهو جالس إلى جانبه وهي :
باتوا على قلل الأجبال تحرسهم * غلب الرجال فلم تنفعهم القلل
واستنزلوا بعد عز من معاقلهم * وأسكنوا حفرا يا بئس ما نزلوا
ناداهم صارخ من بعد دفنهم * أين الأساور والتيجان والحلل
أين الوجوه التي كانت منعمة * من دونها تضرب الأستار والكلل
فأفصح القبر عنهم حين ساءلهم * تلك الوجوه عليها الدود ينتقل
قد طالما أكلوا دهرا وقد شربوا * وأصبحوا بعد طول الأكل قد أكلوا
فبكى المتوكل بكاء شديدا حتى بلّ لحيته من دموعه .