« مراحل لا بدّ منها »
واعلم أنّ أحوال الإنسان التي بناه اللّه تعالى عليها وجعله متصرفا بها فإنّها أربعة أحوال :
الحالة الأولى : لخمس عشرة سنة إلى خمس وعشرين وفيها شبابه وحسنه وبهاؤه وسلطان الدم في جسمه .
ثمّ الحالة الثانية : من خمس وعشرين سنة إلى خمس وثلاثين سنة وفيها سلطان المرّة الصفراء وقوّة غلبتها على الشخص ، وهي أقوى ما يكون ولا يزال كذلك حتّى يستوفي المدة المذكورة ، وهي خمس وثلاثون سنة .
ثمّ يدخل في الحالة الثالثة إلى أن تتكامل مدة العمر : ستين سنة فيكون في سلطان المرّة السوداء ، وهي سنّ الحكمة والموعظة والمعرفة والدراية ، وانتظام الأمور وصحة النظر في العواقب ، وصدق الرأي ، وثبات الجأش في التصرفات .
ثمّ يدخل في الحالة الرابعة : وهي سلطان البلغم ، وهي الحالة التي لا يتحوّل عنها ما بقي إلّا إلى الهرم ، ونكد عيش ، وذبول ، ونقص في القوة ، وفساد في كونه ، ونكتته أن كل شيء كان لا يعرفه حتّى ينام عند القوة ، ويسهر عند النوم ، ولا يتذكّر ما تقدّم ، وينسى ما يحدث في الأوقات ويذبل عوده ، ويتغيّر معهوده ، ويجفّ ماء رونقه وبهائه ، ويقلّ نبت شعره وأظفاره ، ولا يزال جسمه في انعكاس وإدبار ما عاش ، لأنه في سلطان المرة البلغم ، وهو بارد وجامد ، فبجموده وبرده يكون فناء كلّ جسم يستولي عليه في آخر القوة البلغميّة .