ولا يدرك ، ولا تعرف كيفّيته ولا آنيّته ، فهؤلاء الناطقون المبلّغون عنه ، المتصرفّون في أمره ونهيه ، فيهم يظهر قدرته ، ومنهم ترى آياته ومعجزاته ، وبهم ومنهم عرّف عباده نفسه ، وبهم يطاع أمره ، ولولا هم ما عرف اللّه ، ولا يدري كيف يعبد الرحمن ، فالله يجري أمره كيف شاء فيما يشاء
لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ
« 1 » .
ممّن المعصية « 2 »
قال أبو حنيفة : رأيت موسى بن جعفر وهو صغير السنّ في دهليز أبيه فقلت : أين يحدّث الغريب منكم إذا أراد ذلك ؟
فنظر إلي ثمّ قال :
يتوارى خلف الجدار ويتوقّى أعين الجار ، ويتجنّب شطوط الأنهار ومساقط الثمار ، وأفنية الدور ، والطرق النافذة ، والمساجد ، ولا يستقبل القبلة ، ولا يستدبرها ، ويرفع ويضع بعد ذلك حيث شاء .
قال : فلّما سمعت هذا القول منه ، نبل في عيني ، وعظم في قلبي فقلت له : جعلت فداك ممّن المعصية ؟ فنظر إلي ثمّ قال : اجلس حتّى أخبرك فجلست فقال : إنّ المعصية لا بدّ أن تكون من العبد أو من ربّه أو منهما جميعا ، فإن كانت من اللّه تعالى فهو أعدل وأنصف من أن يظلم عبده ويأخذه بما لم يفعله ، وإن كانت منهما فهو شريكه ، والقويّ أولى بإنصاف ( عبده ) الضعيف ، وإن كانت من العبد وحده فعليه وقع الأمر ، وإليه توجّه النهي ، وله حقّ الثواب والعقاب ، ووجبت الجنّة والنّار .
هامش
( 1 ) سورة الأنبياء ، الآية : 23 .
( 2 ) مناقب ابن شهرآشوب 4 / 314 : . . .