أمّة النمل
انظر إلى النمل واحتشاده في جمع القوت وإعداده ، فإنك ترى الجماعة منها إذا نقلت الحب إلى زبيتها « 1 » بمنزلة جماعة من الناس ينقلون الطعام أو غيره ، بل للنمل في ذلك من الجد والتشمير ما ليس للناس مثله ، أما تراهم يتعاونون على النقل كما يتعاون الناس على العمل ، ثم يعمدون إلى الحب فيضمونه قطعا ، لكيلا ينبت فيفسد عليهم ، فإن أصابه ندى أخرجوه فنشروه حتى يجفّ ، ثم لا يتّخذ النمل الزبية إلّا في نشز من الأرض كيلا يفيض السيل فيغرقها ، وكل هذا منه بلا عقل ولا روية ، بل خلقة خلق عليها لمصلحة من اللّه جلّ وعزّ .
أسد الذباب
انظر إلى هذا الذي يقال له الليث « 2 » وتسميه العامة « أسد الذباب » وما أعطي من الحيلة والرفق في معاشه ، فإنك تراه حين يحس بالذباب قد وقع قريبا منه ، تركه مليا حتى كأنه موات لا حراك به ، فإذا رأى الذباب قد اطمأنّ وغفل عنه ، دبّ دبيبا دقيقا ، حتى يكون منه بحيث تناله وثبته ، ثم يثب عليه فيأخذه ، فإذا أخذه اشتمل عليه بجسمه كله ، مخافة أن ينجو منه ، فلا يزال قبضا عليه ، حتى يحسّ بأنه قد ضعف واسترخى ثم يقبل عليه فيفترسه ، ويحيى بذلك منه .
العناكب وشراكها
فأما العنكبوت فإنه ينسج ذلك النسج ، فيتّخذه شركا ومصيدة
هامش
( 1 ) الزبية : بضم فسكون ، الرابية لا يعلوها ماء ، جمعها زبى .
( 2 ) الليث : ضرب من العناكب والجمع : ليوث ومليثة .