الصحاري منها حتى تفسد رائحة الهواء وتحدث الأمراض والوباء .
فانظر إلى هذا بالذي يخلص إليه الناس ، وعملوه بالتمثيل « 1 » الأول الذي مثل لهم كيف جعل طبعا وأذكارا في البهائم وغيرها ، ليسلم الناس من معرّة « 2 » ما يحدث عليهم من الأمراض والفساد .
ذكاء الأيل
فكّر يا مفضّل في الفطن التي جعلت في البهائم لمصلحتها ، بالطبع والخلقة ، لطفا من اللّه عزّ وجلّ لهم ، لئلا يخلو من نعمة جلّ وعزّ أحد من خلقه لا بعقل وروية ، فإن الإبل يأكل الحيات فيعطش عطشا شديدا فيمتنع عن شرب الماء ، خوفا من أن يدبّ السم في جسمه فيقتله ، ويقف على الغدير وهو مجهود عطشا ، فيعجّ عجيجا عاليا ، ولا يشرب منه ، ولو شرب لمات من ساعته .
فانظر إلى ما جعل من طباع هذه البهيمة ، من تحمّل الظمأ الغالب الشديد ، خوفا من المضرّة في الشرب ، وذلك ممّا لا يكاد الإنسان العاقل المميز يضبطه من نفسه .
دهاء الثعلب
والثعلب إذا اعوزه الطعم ، تماوت ونفخ بطنه ، حتى يحسبه الطير ميتا ، فإذا وقعت عليه لتنهشه ، وثب عليها فأخذها ، فمن أعان الثعلب العديم النطق والروية بهذه الحيلة ، إلّا من توكّل بتوجيه الرزق له من هذه وشبهه ، فإنه لما كان الثعلب يضعف عن كثير ممّا تقوى عليه السباع من مساورة الصيد ، أعين بالدهاء والفطنة والاحتيال لمعاشه .
هامش
( 1 ) المراد بالتمثيل ما ذكره اللّه تعالى في قصة قابيل .
( 2 ) المعرّة : الأمر القبيح والمساءة والإثم والأذى .