وأنت علمته حمدك ، تستر على من لو شئت فضحته ، وتجود على من لو أردت منعته ، وكلاهما منك أهل للفضيحة والمنع ، غير أنك بنيت أفعالك على التفضل ، وأجريت قدرتك على التجاوز ، وتلقيت من عصاك بالحلم ، وأمهلت من قصد لنفسه بالظلم ، تستنظرهم بأناتك إلى الإنابة ، وتترك معاجلتهم إلى التوبة ، لكيلا يهلك عليك هالكهم ، ولئلا يشقى بنقمتك شقيهم ، إلا عن طول الإعذار إليه ، وبعد ترادف الحجة عليه ، كرما من فعلك يا كريم ، وعائدة من عطفك يا حليم » .
« أنت الذي فتحت لعبادك بابا إلى عفوك وسميته التوبة ، وجعلت على ذلك الباب دليلا من رحمتك ، لئلا يضلوا عنه ، فقلت :
تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ
« 1 » ، فما عذر من أغفل دخول ذلك الباب يا سيدي بعد فتحه ، وإقامة الدليل عليه ، وأنت الذي زدت في السوم على نفسك لعبادك تريد ربحهم في متاجرتك ، وفوزهم بزيادتك ، فقلت :
مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها
« 2 » ، ثم قلت :
مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ
« 3 » ، وما أنزلت من نظائرهن في القرآن ، وأنت الذي دللتهم بقولك الذي من غيبك وترغيبك ، الذي فيه من حظهم على ما لو سترته عنهم لم تدركه أبصارهم ، ولم تعه أسماعهم ، ولم تلحقه أوهامهم ، فقلت تباركت وتعاليت :
فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ
« 4 »
لَئِنْ شَكَرْتُمْ
هامش
( 1 ) سورة التحريم ، الآية : 8 .
( 2 ) سورة الأنعام ، الآية : 160 .
( 3 ) سورة البقرة ، الآية : 261 .
( 4 ) سورة البقرة ، الآية : 152 .