عقولهم ، عازبة آراؤهم ، جيران بدو ، وورّاد بحر ، فأخرجتهم يخبطون بسيوفهم بغير علم ، يرمون بسهامهم بغير فهم ، فوقفت من أمرهم على اثنتين ، كلتاهما في محلّة المكروه : إن كففت لم يرجعوا ولم يصلوا ، وإن أقمت كنت قد صرت إلى الذي كرهت ، فقدّمت الحجة بالإعذار والإنذار ، ودعوت المرأة إلى الرجوع إلى بيتها ، والقوم الذين حملوها على الوفاء ببيعتهم لي ، والترك لنقضهم عهد اللّه عزّ وجلّ فيّ ، وأعطيتهم من نفسي كلّ الذي قدرت عليه ، وناظرت بعضهم فرجع ، وذكّرته فذكر .
ثمّ أقبلت على أهل البصرة
ثمّ أقبلت على الناس بمثل ذلك ، فلم يزدادوا إلّا جهلا وتماديا وغيّا ، فلمّا أبوا إلّا هي ركبتها منهم ، فكانت عليهم الدبرة ، وبهم الهزيمة ، ولهم الحسرة ، وفيهم الفناء والقتل ، وحملت نفسي على التي لم أجد منها بدّا ، ولم يسعني إذا فعلت ذلك ، وأظهرته آخرا مثل الذي وسعني فيه أولا ، من الإغضاء والإمساك ، ورأيتني إن أمسكت كنت معينا لهم بإمساكي على ما صاروا إليه ، وطمعوا فيه من تناول الأطراف ، وسفك الدماء ، وقتل الرعيّة ، وتحكيم النساء النواقص العقول والحظوظ على كلّ حال ، كعادة بني الأصفر ومن مضى من ملوك سبأ والأمم الخالية ، فأصير إلى ما كرهت أولا آخرا ، وقد أهملت المرأة وجندها يفعلون ما وصفت بين الفريقين من الناس ، وألقى ما حذرت ، ولم أهجم على الأمر إلّا بعد ما قدّمت وأخرّت ، وتأنّيت وراجعت ، وراسلت وشافهت ، وأعذرت وأنذرت ، وأعطيت القوم كلّ شيء التمسوه منّي ، بعد أن عرضت عليهم كلّ شيء لم يلتمسوه ، فلمّا أبوا إلّا تلك أقدمت ، فبلغ اللّه بي وبهم ما أراد ، وكان لي عليهم بما كان منّي إليهم شهيدا .