فهي مسدلة الجفون بالنّهار على أحداقها ، وجاعلة اللّيل سراجا تستدلّ به في التماس أرزاقها ، فلا يردّ أبصارها إسداف ظلمته ، ولا تمتنع من المضيّ فيه لغسق دجنّته .
فإذا ألقت الشّمس قناعها ، وبدت أوضاح نهارها ، ودخل من إشراق نورها على الضّباب في وجارها ، أطبقت الأجفان على مآقيها ، وتبلّغت بم اكتسبته من المعاش في ظلم لياليها .
الطائر اللبون
فسبحان من جعل اللّيل لها نهارا ومعاشا ، والنّهار سكنا وقرارا ، وجعل لها أجنحة من لحمها ، تعرج بها عند الحاجة إلى الطّيران ، كأنّها شظايا الآذان ، غير ذوات ريش ولا قصب ، إلّا أنّك ترى مواضع العروق بيّنة أعلاما ، لها جناحان لمّا يرقّا فينشقّا ، ولم يغلظا فيثقلا ، تطير وولدها لاصق بها ، لاجئ إليها ، يقع إذا وقعت ، ويرتفع إذا ارتفعت ، لا يفارقها حتّى تشتدّ أركانه ، ويحمله للنّهوض جناحه ، ويعرف مذاهب عيشه ، ومصالح نفسه ، فسبحان البارئ لكلّ شيء على غير مثال خلا من غيره .
مخلوقاته دلائل وحدانيته « 1 »
ومن خطبة له عليه السّلام يذكر فيها عجيب خلقة الطاووس :
ابتدعهم خلقا عجيبا من حيوان وموات ، وساكن وذي حركات ، وأقام من شواهد البيّنات على لطيف صنعته ، وعظيم قدرته ، ما انقادت له
هامش
( 1 ) نهج البلاغة : الخطبة رقم ( 165 ) ، وبحار الأنوار : ج 62 ص 30 - 32 ب 4 ح 1 .