ثمرات الاتحاد والاختلاف
فانظروا كيف كانوا حيث كانت الأملاء مجتمعة ، والأهواء مؤتلفة ، والقلوب معتدلة ، والأيدي مترادفة ، والسّيوف متناصرة ، والبصائر نافذة ، والعزائم واحدة ، ألم يكونوا أربابا في أقطار الأرضين ، وملوكا على رقاب العالمين ؟
فانظروا إلى ما صاروا إليه في آخر أمورهم ، حين وقعت الفرقة ، وتشتّتت الألفة واختلفت الكلمة والأفئدة ، وتشعّبوا مختلفين ، وتفرّقوا متحاربين ، وقد خلع اللّه عنهم لباس كرامته ، وسلبهم غضارة نعمته ، وبقي قصص أخبارهم فيكم عبرا للمعتبرين .
تحت وطأة الأكاسرة والقياصرة
فاعتبروا بحال ولد إسماعيل ، وبني إسحاق ، وبني إسرائيل عليهم السّلام ، فما أشدّ اعتدال الأحوال ، وأقرب اشتباه بالأمثال ؟
تأمّلوا أمرهم في حال تشتّتهم وتفرّقهم ، ليالي كانت الأكاسرة والقياصرة أربابا لهم ، يحتازونهم عن ريف الآفاق ، وبحر العراق ، وخضرة الدّنيا ، إلى منابت الشّيح ، ومهافي الرّيح ، ونكد المعاش ، فتركوهم عالة مساكين ، إخوان دبر ووبر ، أذلّ الأمم دارا ، وأجدبهم قرارا ، لا يأوون إلى جناح دعوة يعتصمون بها ، ولا إلى ظلّ ألفة يعتمدون على عزّها ، فالأحوال مضطربة ، والأيدي مختلفة ، والكثرة متفرّقة ، في بلاء أزل ، وأطباق جهل ، من بنات موءودة ، وأصنام معبودة ، وأرحام مقطوعة ، وغارات مشنونة .