تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دستور الأخلاق في القرآن — صفحة 856

مساهمون:

ص٨٥٦
أبحاثنا ، ولسوف نرى بعض السّمات المميزة لهذه الأخلاق تتجلى لأعيننا ، وهي السّمات الّتي سنحاول أن نبرزها في الأسطر التّالية . أوّلا : بأي معنى ، وإلى أي مدى يمكن أن توصف الأخلاق القرآنية بأنّها دينية ؟ . . لا شك أنّ هذا المعنى لا يرجع فقط إلى أنّ القواعد الّتي تقررها هذه الأخلاق موضوعها الوحيد والجوهري - هو تنظيم العلاقات بين الإنسان ، وبين اللّه تبارك وتعالى ؛ إذ كان من اليسير التّأكد أنّ وجها من وجوه النّشاط الإنساني لم يفلت من تقنين تلك الأخلاق « 1 » ، ومن هذا الجانب لم تعرف الإنسانيّة أخلاقا أخرى أكمل من الأخلاق القرآنية . ومن الممكن أيضا أن نقرر أنّ الشّعائر الدّينية المحضة لا تشغل في هذه الأخلاق سوى أقل مكان . والحقّ أنّه يجب أن نفرق هنا بين موقفين مختلفين : الامتداد ، والعمق ، أو الظّاهر ، والباطن . فإذا كان النّشاط الّذي يمارسه المسلم في كلا الميدانين : الحيوي ، والاجتماعي ، يشغل بعامة - من حيث مظاهره الخارجية - مجالا أرحب من المجال الّذي يشغله بالعبادة - فإنّ حياته الباطنة تتميز - على العكس - بعمق التّدين : فهو يحبّ اللّه فوق كلّ شيء ، وهو يخضع كلّ شيء لإرادته ، وهو يستوحي في كلّ موقف أمر اللّه ورضاه . وليس ينبغي أن نعتقد أيضا أنّ الأخلاق القرآنية أخلاق دينية ، بمعنى أنّ رقابتها توجد فقط في السّماء ، وأنّ جزاءها فيما وراء الموت ، إذ أنّها تخول هذه
هامش
( 1 ) انظر المختارات القرآنية الّتي سنصنفها بعد ذلك تحت عنوان : ( الأخلاق العملية ) .