تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دستور الأخلاق في القرآن — صفحة 797

مساهمون:

ص٧٩٧
ناحية معوّض بالزيادة ، وفيض الزّيادة من النّاحية الأخرى « 1 » . والواقع أنّ هدف جهد القديس ، أو الصّالح ليس : أن يتحاشى الكبائر ، ويتحفظ من السّقوط في « قاع » الأخلاق ، بقدر ما هو : أن يتحاشى التّوقف عند درجة من الكمال أية كانت ، وأن يصعد دائما إلى أعلى ، في الطّوابق العليا . فالأخلاق عند القديسين ليست حربا ، بل هي بالأحرى حياة ، بكلّ ما تضمه الحياة من صراع في المسيرة ، وفي التّقدم ، ولذلك يشعرون أثناء فترات راحتهم القصيرة بأنّهم منادون إلى أن يبدءوا العمل ، وهذا النّداء الباطن يرتدي في القرآن شكل دعوة صريحة إلى النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم :
فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ
« 2 » . وهكذا يتضح أننا أبعد ما نكون عن القول بأنّ أي مخلوق ، مهما كان ، يمكن أن يعفى نهائيا من الكفاح ؛ بل إننا نرى كيف ينفتح أفق لا حدّ لرحابته أمام الأنفس الطّاهرة المخلصة كيما تبذل جهدها . فحتى لو انتهت مقاومتنا ضد الأهواء المضادة للشرع ، فإنّ علينا أن نقهر خمود المادة ، وأن ننتصر على تثاقل الفطرة ، كيما نحلق في آفاق تزداد على مرّ الزّمن رقيا . ومن هنا تنبع هذه النّتيجة الّتي لم يسبق إليها أحد ، والّتي تبدو في الظّاهر متناقضة : إنّ « القداسة » - بدلا من أن توضع خارج الأخلاق ، سوف تكون - بالعكس - « الأخلاقية بأجلى معانيها » . وتلك على ما نعتقد وجهة نظر القرآن ،
هامش
( 1 ) أدرك القشيري جيدا فكرة هذا التّعويض : ( انظر ، الرّسالة - فصل الإرادة : 92 ) ، ويأتي بعده بزمن طويل ابن عباد ليلاحظ ملاحظة مماثلة ، بمناسبة المقارنة بين السّالك المجذوب ، والمجذوب السّالك . ( انظر ، الرّسائل : 40 - 41 ) . ( 2 ) الانشراح : 7 - 8 .
دستور الأخلاق في القرآن — صفحة 797 | محمد عبد الله دراز