تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دستور الأخلاق في القرآن — صفحة 788

مساهمون:

ص٧٨٨
كلّ فرد أن يصنعه بصورة حسية في هذا المجال ، كيما يفي بتكاليفه - فإننا نقع في أكثر التّعريفات تضاربا ، ذلك أنّ المساعدة المالية الّتي يريد المتصدقون أن يقدموها للفقراء قد تختلف ، على ما لا يحصى من الدّرجات ، تبعا لكرمهم ، وابتداء من الفلس ، إلى حدّ هبة الثّروة بأكملها . ولكن الشّرع الأخلاقي ، على الأقل في لغة الإسلام ، لم يدع الأمور تجري في أعنة الفوضى ، بل لقد أقر إجراء ، وثبت حدودا . فهو - من ناحية - قد أقر حدا أدنى معونة سنوية قدرها ( 1 - 22 % ) من الثّروة النّقدية و ( 5 % أو 10 % ) من المحصول ( تبعا لطريقة الرّي ) وهو من ناحية أخرى قد جعل ثلث الثّروة الكلية حدا أقصى ، من حق الإنسان ، عند الوصية ، أن يمنحه لآخر ، من غير ورثته الشّرعيين . فواجب المؤمن محدد على هذا النّحو : أن يتحاشى الطّرفين المحرمين ، فلا يقنع بقدر من المال أقل من الحد الأدنى الواجب ، ولا يتجاوز الحد الأقصى المباح . وإذا كان المجال هنا قد اهتم بالاعتبارات الكمية ، فهناك مجالات أخرى تضع في الاعتبار الأمور الّتي تتصل بالكيفية ، وبالهدف ، وبالزمان ، وبالمكان . . وكلّها شروط بنائية ، أو تحتمها الظّروف ، ويجب أن تتحقق لتنشئ ما قد تعتبره الأخلاق الإسلاميّة اختيارا صالحا . فالعمل الّذي ينعدم فيه أحد هذه العناصر الجوهرية يسقط بنفس الأثر في حمأة الشّذوذ . ولقد نجد في هذه التّنظيمات بعض الجور على الضّمائر الفردية ، بحيث لا تترك شيئا لاختيارها الحرّ ، ولسوف نرى فيما بعد مدى حرية التّصرف