في حقارته مع الخديعة ، والصّلف ، والمداهنة ، والتّباهي ؟ . . وهل من الممكن أن نضع شعور الخوف من اللّه في مستوى الخوف من النّاس ؟ أليس من الواجب أن نعترف على الأقل بأنّ بين هذين الخوفين فرقا هو : أنّ الخوف من النّاس يعلمنا النّفاق ، والجبن ، ويحملنا على خرق القانون حين يكون موضوع هذا الخوف عاجزا عن أن ينالنا ؟ . .
أمّا فيما يتعلق بالأمل في السّعادة المقبلة : فقد تقولون : إنّها قضية ارتزاق وطمع في الأجر .
- نعم ، بداهة ، نظرا إلى الحبّ الخالص ، الّذي يصد عن كلّ ما سوى المحبوب ذاته . ومع ذلك فمن ذا الّذي لا يرى أنّ مجرد قبول هذه الصّفقة ، والتّنازل هكذا عن مال ملموس ، مؤكد ، مستحق فورا ، نظير سعادة غير محددة ، غير مؤكدة على المستوى الفردي ، بعيدة ساحقة البعد ، لدرجة أنّها تقتضي الموت ، والعودة إلى الحياة مرة أخرى . قبل لمسها . . أقول : من ذا الّذي لا يرى في كلّ هذا ارتفاعا فوق الغريزة الحيوانية المرتبطة بالحاضر ، إلى مستوى الآجلة ، وبرهانا على الصّفات العليا من الصّبر ، والسّيطرة على النّفس ، وسعة العقل ، وفي كلمة واحدة :
برهانا على نوع من المثالية ؟ . .
قد يقال : إنّها بصيرة مضارب .
- ولكن ، يا لها من مضاربة عجيبة ! ما كان لأي حساب احتمالي أن يسوغها ، دون تدخل من الإيمان .
وإذن ، فما هو ذلكم الإيمان ، إن لم يكن الاعتقاد فيمن ليس بالنسبة إلينا مدركا بحواسنا ، ولا قابلا للإثبات بعقلنا وحده ؟ . . فهو حساب إذن ، إن وجد ،
دستور الأخلاق في القرآن — صفحة 688
مساهمون: محمد عبد الله دراز
ص٦٨٨