تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دستور الأخلاق في القرآن — صفحة 686

مساهمون:

ص٦٨٦
وعوقبت ، فهل في ذلك غير العدالة ؟ . ولكن شتان ما بين أن نعين لأعمالنا عاقبتها ، وأن نقترح على الإرادة مبدأ يلهمها ، وذلكم هو ما صاغه القرآن في مواضع كثيرة ، فهذا المبدأ مختلف تماما ، إذ هو المثل الأعلى ، والإنسان الّذي يؤدي واجبه بالخوف ، أو بالرجاء ، والّذي يتخذ من توقع مصيره في الحياة الآخرة قوة محركة لإرادته الطّائعة ، هذا الإنسان لا يقتصر عمله على خلط وتوحيد نوعين مختلفين من الغائية : الغاية الوجودية : ( الثّمرة ) ، والغاية الأخلاقية : ( الهدف ) ، ولكنه أيضا يغفل شرطا جوهريا عن العاقبة الموعودة ، لأنّ القرآن خط له طريقا يتبعه ، وأثبت له سعيا يقوم به ، من أجل أن ينتهي إلى هذه الحياة السّعيدة :
وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً
« 1 » ، وليست الجنّة إلّا للقلوب السّليمة ،
يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ
« 2 » ، والقلوب الرّاجعة إلى اللّه :
وَجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ
« 3 » . ولكن إذا كان التّقارب قد تمّ على هذا النّحو بين المذاهب المتعارضة ، فهل يؤدي ذلك إلى اندماجها ؟ . . ليس بشكل تام برغم هذا ، فإنّ النّقطة المتنازع عليها تظل كما هي . فعلى حين أنّ النّظرية المتشددة تحكم دائما بالكدرة ، والدّنس على كلّ ما ليس طاهرا نقيا إلى الحدّ الوارد في قول اللّه تعالى :
وَما تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ اللَّهِ
« 4 » - ترى النّظرية المتسامحة أنّ بين الطّهارة المطلقة ، الّتي هي موضوع
هامش
( 1 ) الإسراء : 19 . ( 2 ) الشّعراء : 88 - 89 . ( 3 ) سورة ق : 33 . ( 4 ) البقرة : 272 .
دستور الأخلاق في القرآن — صفحة 686 | محمد عبد الله دراز