تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دستور الأخلاق في القرآن — صفحة 651

مساهمون:

ص٦٥١
لغايات معقولة ، تصبح بها الأشياء المباحة مستحبة أخلاقيا ، أو مأمورا بها . ولذلك فإنّ الحكماء المسلمين لم يتميزوا بنوع خاص من الحياة ، وإنّما تجدهم يبرزون في كلّ مكان ، وفرصة ظهورهم في الحقل ، والمصنع ، والدّكان ، لا تقل عن فرصة ظهورهم في خلوة الزّهاد ، وصومعة الرّهبان . سادسا : والواقع أنّ هنالك أمثلة نلمس فيها أجمل الشّواهد على البعد عن الغرض ، وهي أمثلة لا يهتم أصحابها بالحياة المادية إلّا لماما ، وفي مناسبات نادرة ، بقدر ما يصلح للقيام بحاجاتهم العاجلة ، دون الاحتفاظ بشيء إلّا ما يكفي للفترة ما بين عملين . هناك رجال خلوا من أعبائهم الأسرية فعكفوا عكوفا كاملا على تثقيف قلوبهم ، وعقولهم . ومع أنّهم كانوا ملتزمين في الوقت نفسه بخدمة الدّولة ، في الجهاد العام ، وكانوا بذلك في كفالة الأمّة - فإنّهم لم يكونوا يلمسون من عطائها غير القوت الضّروري الّذي يضمن بقائهم ، ثمّ يهبون كلّ فائض بعد ذلك . كانت هذه حال جماعة معروفة باسم ( أهل الصّفة ) « 1 » ، الّذين أشار إليهم القرآن في قوله تعالى :
لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً
« 2 » ، ومن الحالات النموذجية بين هؤلاء حالة أبي هريرة . وقد كان منهم أيضا من تتاح لهم فرصة الحصول على نصيبهم في توزيع عام ، وهم الّذين
هامش
( 1 ) هو فقراء المهاجرين ، ومن لم يكن له منهم منزل يسكنه ، فكانوا يأوون إلى موضع مظلل في مسجد المدينة يسكنونه . انظر ، لسان العرب : 9 / 195 ، مجمع البحرين : 1 / 70 ، تاج العروس : 3 / 473 . ( 2 ) البقرة : 273 .