تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دستور الأخلاق في القرآن — صفحة 653

مساهمون:

ص٦٥٣
الأثير . وليس يعوزنا أن نقدم في الجانب المضاد أمثلة أخرى من بين صحابة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فنظير حالة أبي هريرة ، يمكن أن نضع حالة رجل من أغنياء الصّحابة كابن عوف . والحقّ أنّ الزّهادة يمكن أن ينظر إليها على أنّها كانت استثناء في العالم الإسلامي ، ولم تكن القاعدة العامّة . فإذا اعتبرناها من وجهة نظر مجردة فلسوف نعترف بأنّ تعميمها من أضر الأمور بحسن سير الحياة الإنسانية ، لا من الوجهة المادية فحسب ، بل من الوجهة الأخلاقية أيضا . والواقع أنّه يجب أن يوجد في المجتمع أناس يكسبون فائضا ، ليجد آخرون قوتهم الضّروري ، ويجب أن يكون لكلّ إنسان حدّ أدنى من الفائض ، لا لكي ينتج بصورة أفضل ، ومستمرة فحسب ، بل لكي يضمن لنفسه أيضا ما هو ضروري ، بما أنّه ليس بين المفهومين خط فاصل ، يفرق بينهما تفرقة واضحة في الواقع الملموس . بل إنّ من الممكن أيضا أن يقال : إنّ هؤلاء الّذين يبقون عمدا على هامش النّشاط الاجتماعي يختارون ، طبقا لاعتبار معين ، أقل المهمات الأخلاقية مشقة ، متحاشين بذلك كثيرا من الصّدمات ، وصنوف البلبلة ، والإغراء . ولا ريب أنّ عليهم أوّلا أن يبذلوا بعض الجهد حتّى يحملوا أنفسهم على ارتضاء هذا الانزواء ، ولكن متى ما تمت الخطوة الأولى ، فإنّ كلّ شيء سيسير تلقائيا . ومما لا شك فيه أنّ قوة ملكاتنا العليا لا تمتحن إلّا في تشابك الاهتمامات ، وتعقدها . وتمكين الفضل في معرفة كيف نتوقى الاحتراق ، ونحن وسط النّار ؟