الأخرى المكملة .
فقد رأينا في هذه الحالة أنّ الدّافع الحقيقي لعملنا لا يمكن أن يكون هو القانون من حيث هو قانون ، لأنّ هذا القانون يصلح للنقيضين على سواء ، ومن ثمّ فهو عاجز عن تفسير أيهما .
ولما لم يكن وراء « القانون » ، و « المنفعة » بالمعنى العام مبدأ آخر محتم للإرادة . فإنّ الدّافع الحقيقي لعملنا هنا هو إذن وبالضرورة ، « الهوى » الّذي نجده لإشباع حاجاتنا الفطرية . ولا ريب أنّه ليس الهوى الأعمى المستعبد للعاطفة ، ولكنه هوى مستنير خاضع للعقل . ولكن ما أهمية ذلك ، إذ أنّ المصلحة دائما ، لا القانون ، تظل في هذه الحالة أساس اختيارنا الخاص . وقد كان دور القانون أن يزيح العقبة أمام طريق مزدوج ، ولكن الفطرة هي الّتي أعطت الأمر بأن لا يختار سوى واحد منهما ، كما لو كانت هذه الفطرة تترقب هذه اللّحظة المواتية ، الّتي بدا لها فيها أنّ القانون لا يبالي ، فاختارت ما تفضله عليه .
إنّ توقع الاختيار العام ، والخضوع له ، أمران لهما قيمة ثمينة ، ولكن الاختيار الخاص لا معنى له من النّاحية الأخلاقية ، فهو ليس جديرا بذم ، أو بمدح من حيث هو في ذاته ، وذلكم هو الموقف الّذي أطلقنا عليه « الموقف السّطحي » ، والّذي يعبر في هذا المجال عن أدنى درجة في سلم الأخلاقية .
خامسا : إننا لم نواجه حتّى الآن الحالات الّتي تستحق أن تذكر على سبيل الاستحسان . فالنّيّة الحسنة ليست هي النّيّة الّتي تكتفي بتحذيرنا من المحرمات ، وإخضاع رغباتنا لما هو مباح ، إنّها أكثر اقتضاء ، ويجب فضلا عن ذلك أن تتوفر لها اعتبارات أخلاقية إيجابية ، صالحة لتسويغ اختيارها للموضوع المرغوب .
دستور الأخلاق في القرآن — صفحة 649
مساهمون: محمد عبد الله دراز
ص٦٤٩